الأقليات المسلمة في مواجهة فوبيا الاسلام

يوليو 21, 2012
الكاتب

  

الـفـهــــــــــرس

م

الـمـوضــــــــــــــــوع

الصفحة

2

مـقـــــــدمــة .

5

3

الأصـولية وطرق الدعوة إليها، والموقف من غير المسلمين :

26

  • الـمنــــــــهج الســـلـفي .

26

  • الدعوة إلى السلفية .

37

  • الأصـــــوليـة .

38

  • وجهة نظرنـا نحو غير المسلمين .

42

  • الـموقـــــــــف من غيــــــر المسلمين .

45

4

التعـــايش مع المجتــمع والقـــانون الغـــربي :

51

  • التعـــايش مع المجتــمع الـغــربي .

51

  • هل كل قــانون يعــارض القوانيــن الإسـلامية  مسـتبــعد؟

52

  • خـلاصة الجـــــواب .

58

5

التشــــــــدد :

59

  • مـفـــــــهوم التشـــــــــــدد .

59

  • مواجهة الـمتشــددين .

60

إصدار

مؤســسة الوقــف

1428 هـ

فهــرسة مكتبة الـملك فهــد الوطـنية أثنـــاء النشــر

مؤسسة الوقف الإسلامي

الأقليات الـمسلمة في مواجهة “فوبيــــا” الإسلام. /مؤسسة الوقف الإسلامي. ـــ الريـــاض ، 1428 هـ .

66 ص؛ 14.85 × 21 سم .

ردمك : 0 ـــ 8 ـــ 9744 ـــ 9960

1 ـــ الأقليات الـمسلمة   2 ـــ الـمسلمون في العـــالم   أ. العنوان.

ديوي 210.91      2397/1428

رقم الإيداع : 2397 / 1428

ردمك : 0 ـــ 8 ـــ 9744 ـــ 9960

الطبــعة الأولـى

مـقـــدمة :

تقتضي طبيعة الأسئلة الـموجهة التكرار في الإجابة كما أن إجابات الأسئلة لـها خلفية عريضة من الرؤى، ولا يمكن أن يكون التعبير فـي الإجابات واضحاً للقارئ إلا إذا كان على علم بهذه الخلفية .

 من أجل تفادي التكرار ما أمكن ومن أجل أن تكون الإجابات أكثر وضوحاً للقارئ كتبت هذه المقدمة الطويلة متضمنة خمس فقرات وخلاصة، وهذه الفقرات الخمس والخلاصة تمثل رؤية للإسلام وعلاقته بغيره من الثقافات منسجمة مع الرؤية التي تسفر عنها إجابات الأسئلة الـمطروحة .

1 / أتيح لـمحمد أسد (ليو بولد فايس) الـمفكر النمســاوي ما لم يتح إلا لقليل من الأوروبيـين وربما من المسلمين من الاطلاع على تراث المسلمين وعلومهم والاتصال الـمبـاشر بحياتهم والعيش بينهم من مختلف الطبقات ومختلف الأقطار والثقافات لمدة طويلة، وكان نتيجة ذلك تأليفه لكتـابيه: الإسلام على مفترق الطرق (Islam at the Crossroads) والطريق إلى مكة (The Road to Mecca) اللذين راجعهما في آخر حياته .

 في كتابه الأول سجل الـملاحظة الآتية : « لقد بدا لي الإسلام مثل تكوين هندسي محكم البناء، كل أجزائه قد صيغت ليكمل بعضها البعض وليدعم بعضها بعضاً، ليس فيها شيء زائد عن الحاجة وليس فيها ما ينقص عنها، ونتيجة ذلك كله توازن مطلق وبناء محكم، ربما كان شعوري بأن كل ما في الإسلام من تعاليم وضع موضعه الصحيح، هو ما كان له أعظم الأثر عليَّ، لقد سعيت بجد إلى أن أتعلم عن الإسلام كل ما أستطيع أن أتعلمه، درست القرآن وأحاديث النبي، درست لغة الإسلام وتاريخه وقدراً كبيراً مما كتب عن الإسلام وما كتب ضده، أقمت ست سنوات تقريباً في نجد والحجاز معظمها في مكة والمدينة، بغرض أن أتصل مباشرة ببــيئة الإسلام الأصلية، وبما أن الـمدينتين كانتا مكان اجتماع الـمسلمين من مختلف الأقطار، فقد تمكنت من الإطلاع على مختلف الآراء الدينية والاجتماعية السائدة حالياً في العالم الإسلامي، وكل هذه الدراسات والمقارنات خلقت لديَّ اعتقاداً راسخاً أنَّ الإسلام كظاهرة روحية واجتماعية لا يزال أقوى قوة دافعة عرفها البشر، رغم كل مظاهر التخلف التي خلفها ابتعاد الـمسلمين عن الإسلام »( [1] ) .

فـي الكتاب الثاني سجل الـملاحظات الآتية :

ــ « أحسست بضرورة فهم روح تلك الشعوب الـمسلمة لأني وجدت لديهم تلاحماً عضوياً بين الفكر والحواس، واعتقدت أنه من خلال فهم أقرب وأفضل لحياتهم يمكن أن أكتشف الحلقة الـمفقـودة التي تسبب تآكل التكامل الداخلي للشخصية الأوروبيــة، لقد اكتشفت كنه ذلك الشيء الذي جعلنا ننأى عن الحرية الحقة بشروطها الـموضوعية التي يتمتع بها الـمسلمون حتى في عصور انهيارهم الاجتماعي والسياسي، ما كنـت أشعر به في البداية أنه لا يعدو أكثر من تعاطف مع شكل الحيــاة العربية والأمان الـمعنـوي الذي أحسه فيما بينهم تحول بطريقة لا أدركها إلى ما يشبه الـمسـألة الذاتية، زاد وعيي برغبة طاغية في معرفة كنه ذلك الشيء الذي يكمن في أسس الأمن المعنوي والنفسي.. وفي غمرة اهتمامي أحسست بأني اكتشفت ما يحرك قلوبهم ويشغل فكرهم ويحدد لهم اتجاههم، أحسست أيضاً بضرورة اكتشاف القوى الخفية التي تحركني أنا وتشكل دوافعي وتشغل فكري وتعدني أن تهديني السبيل » ( [2] ).

ــ « في البداية مهما كانت ضآلة ما عرفت، إلا أنه كان أشبه برفع ستار، بدأت في معرفة عالم من الأفكار كنت غافلاً عنه حتى ذلك الوقت، لم يبد لي الإسلام ديناً بالمعنى المتعارف عليه بين الناس لكلمة دين، بل بدا لي أسلوباً للحياة، ليس نظاماً لاهوتياً بقدر ما هو سلوك فرد في مجتمع يرتكز على الوعي بوجود إله واحد.. ففي القرآن نجد أنه لا يبقى لابن آدم إلا عمله الذي سعى إليه ولا توجد حاجة إلى الترهب والزهد لفتح أبواب خفية لتحقيق الخلاص، الخلاص حق مكفول للبشر بالولادة، والخطيئة لا تعني إلا ابتعاد الناس عن الفطرة التي خلقهم الله عليها، لم أجد أي أثر على الثنائية في الطبيعة البشرية، فالبدن والروح يعملان في الـمنظور الإسلامي كوحدة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.. سألت ألا يكون ذلك الـمنـهج هو السبب الكامن وراء الإحساس بالأمن والتوازن الفكري والنفسي الذي يميز الـمسلمين » ( [3] ) .

ــ « لا يوجد في العالم بأجمعه ما يبعث في نفسي مثل تلك الراحة التي شعرت بها، والتي أصبحت غير موجودة في الغرب، ومهددة الآن بالضياع والاختفاء من الشرق، تلك الراحة وذلك الرضا اللذان يعبران عن التوافق الساحر بين الذات الإنسانية والعالم الذي يحيط بها » ( [4] ) .

ــ « الآراء الشائعة في الغرب عن الإسلام تتلخص في ما يأتي: انحطاط المسلمين ناتج عن الإسلام، وبمجرد تحررهم عن العقيدة الإسلامية وتبني مفاهيم الغرب وأساليب حياتهم وفكرهم فإن ذلك سيكون أفضل لهم وللعالم .

إلا أن ما وجدته من مفاهيم وما توصلت إلى فهمه من مبادئ الإسلام وقيمه أقنعني أن هذه الآراء الشائعة لدى الغرب ليست إلا مفهوماً مشوهاً عن الإسلام.. اتضح لي أن تخلف المسلمين لم يكن ناتجاً عن الإسلام، ولكن لإخفاقهم في أن يحيوا كما أمرهم الإسلام.. لقد كان الإسلام هو ما حمل الـمسلمين الأوائل إلى ذرى فكرية وثقافية سامية »( [5] ) .

ــ « وفر الإسلام باختصار حافزاً قوياً إلى التقدم المعرفي والثقافي والحضاري الذي أبدع واحدة من أروع صفحات التاريخ الإنساني، وقد وفر ذلك الحافز مواقف إيجابية عندما حدد في وضوح نعم للعقل ولا للجهل، نعم للعمل والسعي ولا للتقاعد والنكوص، نعم للحياة ولا للزهد والرهبنة، ولذلك لم يكن عجباً أن يكتسب الإسلام أتباعاً في طفرات هائلة بمجرد أن تجاوز حدود بلاد العرب، فقد وجدت الشعوب.. ديناً لا يقر مفهوم الخطيئة الأولى، ويؤكد كرامة الحياة البشرية.. جميع ذلك يفسر كيفية انتصار الإسلام وانتشاره الواسع في بداياته التاريخية ويفند الزعم بأنه انتشر بحدّ السيف، لم يكن المسلمون إذاً هم من خلقوا عظمة الإسلام، بل كان الإسلام من خلق عظمة المسلمين، وبمجرد أن تحوَّل إيمانهم إلى عادة وابتعد أن يكون منهجاً وأسلوباً للحياة خبا وهج النبض الخلاق في تلك الحضارة، وحلَّ محلها تدريجياً التقاعس والعقم وتحلل الثقافة »( [6] ) .

ــ « كانت أهم صفة بارزة لحضارة الإسلام هي الصفة التي انفردت بها عن الحضارات البشرية السابقة أو اللاحقة أنها منبثقة من إرادة حرة لشعوبها، لم تكن مثل حضارات سابقةوليدة قهر وضغط وإكراه وتصارع إرادات ومصالح، ولكنها كانت جزءاً وكلاً من رغبة حقيقية أصيلة لدى جميع المسلمين، مستمدة من إيمانهم بالله وما حثهم عليه من إعمال فكر وعمل، لقد كانت تعاقداً اجتماعياً أصيلاً.. لقد تحققت أن ذلك العقد الاجتماعي الوحيد المسجل واقعا ًتاريخياً، وليس مجرد نظرية فقط تحقق على مدى زمني قصير، أو على الأصح أنه على مدى زمني قصير تحقق العقد على نطاق واسع، بعد أقل من مائة سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بدا الشكل النقي الأصيل للإسلام يدبّ فيه الفساد، وفي القرون التالية بدأ النهج القويم يزاح إلى الخلفية.. لقد حاول المفكرون المسلمون أن يحفظوا نقاء العقيدة، إلا أن من جاءوا بعدهم كانوا أقل قدرة وتقاعسوا عن الاجتهاد، وتوقفوا عن التفكير المبدع والاجتهاد الخلاق.. كانت القوة الأولى الدافعة للإسلام كافية لوضعه في قمة سامية من الرقي الحضاري والفكري، وهذا ما دفع المؤرخين إلى وصف تلك المرحلة بالعصر الذهبي للإسلام، إلا أن القوة الدافعة قد ماتت بنقص الغذاء الروحي، وركدت الحضارة الإسلامية عصراً بعد عصر لافتقاد القوة الخلاقة المبدعة .

ــ إنَّ ما شغلني أكثر من إخفاق المسلمين المعاصرين في تحقيق منهج الإسلام الإمكانيات المتضمنة في المنهج ذاته كان يكفيني أن أعرف أنه خلال مدى زمني قصير.. كانت هناك محاولة ناجحة لتطبيق هذا المنهج وما أمكن تحقيقه في وقت ما يمكن تحقيقه لاحقاً، ما كان يهمني ـ كما فكرت في داخلي ـ أن المسلمين شردوا عن التعليمات الأصلية للدين.. ما الذي حدث وجعلهم يبتعدون عن المثاليات التي علمهم إياها نبيهم قبل ثلاثة عشر قرناً مضت ما دامت تلك التعليمات لا تزال متاحة لهم إن أرادوا الاستماع إلى ما تحمله من رسالة سامية؟ بدا لي كلما فكرت أننا نحن في عصرنا الحالي نحتاج إلى تعاليم تلك الرسالة أكثر من هؤلاء الذين عاشوا في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، لقد عاشوا في بيئات وظروف أبسط كثيراً مما نعيش الآن لذلك كانت مشكلاتهم أقل بكثير من مشكلاتنا ،العالم الذي كنت أحيا فيه كله كان يتخبط لغياب أي رؤية عامة لما هو خير و ما هو شر … لقد أحسست بيقين تام أن مجتمعنا المعاصر يحتاج أُسسا فكرية عقائدية توفر شكلاً من أشكال التعاقد بين أفراده وأنه يحتاج إلى إيمان يجعله يدرك خواء التقدم المادي من أجل التقدم ذاته، في الوقت نفسه يعطي للحياة نصيبها أن ذلك سيرشدنا إلى كيفية تحقيق التوازن بين احتياجاتنا الروحية والبدنية، وأن ذلك سينقذنا من كارثة محققة نتجه إليها بأقصى سرعة، وفي تلك الفترة من حياتي شغلت فكري مسألة الإسلام كما لم يشغل ذهني شيء آخر من قبل، قد تجاوزت مرحلة الاستغراق الفكري والاهتمام العقلي بدين وثقافة غريبين، لقد تحول اهتمامي إلى بحث محموم عن الحقيقة ( [7] ) .

مع تعمق محمد أسد في البحث، حتى قبل أن يسلم صار في إمكانه أن يميز بين ما هو إسلام وما هو غريب عنه في تصورات الـمسـلمين وسلوكهم .

 في رحلته الأولى إلى الشرق الأوسط، رأى حلقة ذكر يقيمها الصوفية في أحد مساجد ( سكوتـاري ) بتركيا، وفي رحلته الثانية يتذكر حلقة الذكر هذه ويعلق عليها بقوله: (اتضحت في ذهني معاني لم تبد لي عندما شاهدت حلقة الذكر في ( سكوتـاري ) كان ذلك الطقس الديني لتلك الجماعة وهي واحدة من جماعات كثيرة شاهدتها في مختلف البلاد الإسلامية لا يتفق مع صورة الإسلام التي كانت تتبلور في ذهني .. تبين لي أن تلك الـممارسات والطقوس دخيلة على الإسلام من جهات ومصادر غير إسلامية . لقد شابت تأملات الـمتصوفة وأفكارهم أفكار روحية هندية ومسيحية، مما أضفى على بعض ذلك التصوف مفاهيم غريبة عن الرسالة التي جاء بها النبي محمد r .

أكدت رسالة النبي محمد r أن السببية العقلية هي السبيل للإيمان الصحيح  بينما تبتعد التأملات الصوفية وما يترتب عليها عن ذلك المضمون، والإسلام قبل كل شيء مفهوم عقلاني لا عاطفي ولا انفعالي، الانفعالات مهما تكن جياشة معرضة للاختلاف والتباين باختلاف رغبات الأفراد ومخاوفهم بعكس السببية العقلية، كما أن الانفعالية غير معصومة   بأي حال ( [8] ) .

 قبل أن يسلم يذكر في حوار مع مضيفه حاكم قرية في أفغانستان: (قال الحاكم: «كان داود صغيراً لكن إيمانه كان كبيراً» فلم أتمالك نفسي وقلت باندفاع : «وأنتم كثيرون وإيمانكم قليل» نظر إلي مضيفي مندهشاً فخجلت مما قلت من دون أن أتمالك نفسي وبدأت بسرعة في توضيح ما قلت واتخذ تفسيري شكل أسئلة متعاقبة كسيل جارف قلت: «كيف حدث أنكم معشر المسلمين فقدتم الثقة بأنفسكم تلك الثقة التي مكنت آباءكم من نشر عقيدتكم في أقل من قرن من المحيط الأطلسي إلى أعماق الصين ؟ لـمـاذا لا تستجمعون قوتكم وشجاعتكم لاستعادة إيمانكم الفعلي ؟ كيف يصبح رجل تافه منكم ينكر كل قيمة للإسلام رمزاً لكم في الإحياء والنهوض والإصلاح ؟ ظل مضيفي صامتاً .. كان الثلج قد بدأ يتساقط وشعرت مرة أخرى بموجة من الأسى مصحوبة بتلك السعادة الداخلية التي شعرت بها ونحن نقترب من (ده زانجي) أحسست بالعظمة التي كانت عليها تلك الأمة، وبالخزي الذي يغلف ورثتها الـمعاصرين أردفت مكملاً أسئلتي: «قل لي كيف دفن علماؤكم الإيمان الذي أتى به نبيكم بصفائه ونقائه ؟ كيف حدث أن نبلاءكم وأعيانكم يغرقون في الـملذات بيـنما يغرق أغلب  الـمسلمين في الفقر مع أن نبيكم علمكم أنه لا يؤمن أحدكم أن يشبع وجاره جائع؟ هل يمكن أن تفسر لي كيف دفعتم النساء إلى هامش الحياة مع أن النساء في حياة النبي r والصحابة ساهمن في شؤون حياة أزواجهن؟ كان مضيفي ما زال  يحملق فـيّ دون كلمة وبدأت اعتقد أن انفجاري ربما سبب له ضيقاً، في النهاية  همس  (ولكن أنت مسلم) ضحكت وأجبته كلا لست مسلماً لكني رأيت الجوانب العظيمة في رسالة الإسلام مما يجعلني أشعر بالغضب وأنا أراكم تضيعونه، سامحني إن تحدثت بحِدة أنا لست عدواً على أي حال » إلا أن مضيفي هز رأسه قائلاً : «كلا أنت كما قلت لك مسلم إلا أنك لا تعلم ذلك، لماذا لا تعلن الآن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتصبح مسلماً بالفعل بدلاً من أن تكون مسلماً بعقلك فقط قلت : لو قلتها في أي وقت فسأقولـها عندما يستقر فكري عليها ويستريح لـها، قال : ولكنك تعرف عن الإسلام أكثر مما يعرفه أي واحد منا قلت : المسألة ليست مسالة فهم بل أن أكون مقتنعاً، أن أقتنع أن القرآن كلمة الله، وليس ابتداعاً ذكياً لعقلية بشرية عظيمة»، ولم تنـمحِ كلمات مضيفي الأفغاني من ذهني على مدى شهور طويلة ( [9] ) .

2 / كل مسلم متعلم حتى لو كان متطرفاً يسلم بأن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وهذا الحكم تحتمه السمة البارزة التي تطبع أحكام الإسلام ونظامه السلوكي، هذه السمة التي حرص القرآن الكريم وأحاديث الرسول محمد r على إبرازها .

إليك مثلاً الآيات الكريمة الآتية :

(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (143 سورة البقرة )، (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) ( 29 سورة الإسراء )، ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) ( 67 سورة الفرقان)، (وأنزلنا الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) ( 25 سورة الحديد )، (والسماء رفعها ووضع الميزان * أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) ( 9 سورة الرحمن ) .

وعلى العكس ورد الذم والتشنيع على التطرف في أكثر من سبعين موضعاً في القرآن تحت أسماء: الغلو والإسراف والاعتداء والطغيان.

وبالرغم من أن الثغرة التي لابد من وجودها بين النظريات المجردة والأفعال الواقعية كانت ( كما يقول ول ديورانت) أضيق في الإسلام منها في سائر الأديان. إلا أنه فيما يتعلق بالتطرف والاعتدال، فإن أول انحراف في الإسلام ظهر على يد الخوارج وهم طائفة عرفت بالتطرف وما يصاحب التطرف عادة من التعصب والعنف وقد انتهى تطرف هذه الطائفة بقتل الخليفة عثمان ثم الخليفة علي وكان إنحراف هذه الطائفة بداية لانحرافات مختلفة ومتعددة .

وكانت هذه الانحرافات على اختلافها وتناقضها تتسم في كثير من الأحيان بتطرفها الفكري وما يصاحب ذلك من عدم التسامح وأحياناً العنف .

إن التطرف قريب من الطبيعة البشرية ذلك أن الإنسان بطبعه يعجز غالباً عن النظرة الشمولية في كل الأحوال، إذ يستحوذ على اهتمامه جانب معين من القضايا، فيميل إلى النظر غير الـمتوازن، ويبلغ حد الخطر إذا اتصل الأمر بعلاقة الإنسان بغيره .

وبما أن التطرف والوسطية أمران نسبيان، وبما أنهما يتأثران بالمزاج الشخصي، والثقافة، والظروف البيئية، فلا غرو أن نجد الشخص معتدلاً في مجال ومتطرفاً في مجال آخر، ولا غرو أن لا نجد شخصاً يعترف بأنه متطرف .

هل يمكن مثلاً أن تعترف فرنسا أن منعها المسلمة من تغطية رأسها بدعوى أن ذلك خطر على العلمانية .. تطرف ؟

تفخر فرنسا بسبقها في إعلان وثيقة حقوق الإنسان وقد ظلت مائتي سنة لا ترى أن حمل شخص رمزاً دينياً في مكان عام يناقض علمانية الدولة أو يشكل خطراً عليها وكان يمكن أن تظل كذلك مائتي سنة أخرى، لولا أنها رأت أن تمنــع تغطية الفتاة الـمسلمة رأسها في الـمدارس أو مواقع العمل .

وفي خطاب الرئيس شيراك في (17/12/2003م) الذي أعلن فيه تأييده لسرعة إصدار قانون يسمح بهذا الـمنـع، وردت مثل هذه العبارات       (إن العلمانية الفرنسية ضمان لحرية الفكر والضمير وحامية لحرية الـمعتقد! تؤمن لكل فرد إمكانية ممارسة شعائره، والتعبير عن إيمانه بكل طمأنينة وحرية دون أن يجد نفسه تحت وطأة التهديد بأن تفرض عليه قناعة أو معتقدات أخرى) وأشار الخطاب لـهذا العصر الذي (باتت فيه الظلامية ومعها التعصب يسجلان امتداداً في العالم) .

من الـمنـاسب أن يقرأ الإنسان هذه العبارات مرتبطة بعبارات فتوى شيخ الأزهر في الموضوع حيث يقول «إن الحجاب للمرأة المسلمة فرض إلهي وإذا قصرت في أدائه حاسبها الله على ذلك ولكن المرأة الـمسلمة إذا خضعت لقانون دولة غير إسلامية يمنعها من ممارسة هذه الشعيرة الواجبة فإنها تكون من الناحية الشرعية في حكم المضطر» يقصد شيخ الأزهر أن الـمسلم حين يكره على الإخلال بواجب ديني أو على ارتكاب محرم فإنه لا يأثم مثل أن يضطر لأكل الميتة إذا لم يجد غيرها وخشي الموت من الجوع .

لقد أبدت الإدارة الفرنسية سرورها لـموقف شيخ الأزهر الـمتسامح ولكن لا يظن حقيقة أنها سعيدة بأن يوصف قانونها بأنه يكره شخصاً من الفرنسيين على عدم ممارسة شعيرة من شعائر دينه يعتقد أنه يأثم إذا تركها بدون إكراه وأن القانون بذلك ينتهك حق الإنسان في           حرية الدين .

لقد صيغ خطاب الرئيس شيراك بعاطفية وحماس لا يملك من سمعه إلا الشعور بأن صيغته صيغة خطاب يوجه فقط في حالة من حالات الـمواجهـة لأزمة تاريخية، والحال حقاً أن الخطاب يعبر عن مواجهة السياسية الفرنسية لتحد بالغ، لقد اضطرت بأن تظهر بمظهر التطرف في الأيديولوجية العلمانية، وهذا الـمظهر وإن كان الـمعتقد أنه لا يعبر عن تطرف في العلمانية، وإنما استخدم للتبرير السيـاسي بغرض إخفاء تطرف في مجال آخر إلا أن التطرف الزائف كالتطرف الحقيقي يواجه أزمة التناقض مع ذاته .

إن دول شمال أوروبا ليست أضعف إيماناً من فرنسا بالعلمانية، ومع ذلك يعتقد أن  سجلها الناصع في احترام حقوق الإنسان سيحميها من مواجهة مثل هذه الأزمة الخلقية التي واجهتها فرنسا.

3 / الابن الطبيعي للوسطية والاعتدال : التسامح والاستعداد لتقبل الآخر والتعايش معه، لقد كان التسامح في الإسلام من الظهور والوضوح بحيث لم يخف على المفكرين والمؤرخين الغربيين .

يقول ول ديورانت في قصة الحضارة ( ج 5 ص 133 ) : «على الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون أو بسبب هذه الخطة اعتنق الإسلام معظم الـمسيحييـن وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا قليلاً منهم وكثير من اليهود».

ويقول غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب ترجمة عادل زعتر (ص 605):  «الحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا ديناً مثل دينهم وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب في سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات وبقيت قائمة حتى بعد أن تولى سلطان العرب عن مسرح العالم».

وقال في (ص 430) : «وكانت أخلاق العرب في أدوار الإسلام الأولى أرقى كثيراً من أخلاق أمم الأرض قاطبة.. وكان عدلهم واعتدالهم وتسامحهم نحو الأمم المغلوبة ووفاؤهم بعهودهم ونبل طبائعهم مما يستوقف النظر ، وناقض سلوك الأمم الأخرى».

وفي (ص 126) : «والإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم ومن أعظمها تهذيباً للنفوس وحملاً على العدل والإحسان والتسامح».

وفي (ص 266): «وأحسن العرب سياسة أسبانيا كما أحسنوا سياسة أهل سوريا ومصر فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم وحق المقاضاة إلى قضاة منهم».

وقال في (ص 276): «واستطاع العرب أن يحولوا أسبانيا مادياً وثقافياً في بضعة قرون، وأن يجعلوها على رأس الممالك الأوروبية بل أثروا في أخلاق الناس، فهم الذين علموا الشعوب النصرانية أو حاولوا أن يعلموها التسامح الديني الذي هو أثمن صفات الإنسان».

وفي ص 570:  «ويمكن القول أن التسامح الديني كان مطلقاً في دور ازدهار حضارة العرب وقد أوردنا على هذا غير دليل».

وفي كتاب : الموسوعة المختصرة للإسلام (Gibb and Kromer, Short Encyclopedia of Islam) ص 206 : «لكي نفهم التطور التاريخي لاتجاه الإسلام بالنسبة لغير المسلمين ينبغي أن نلاحظ أن هذا الاتجاه كان قد استقر منذ القرون الأولى محكوماً بالظروف السياسية والاجتماعية أكثر من الدينية، إنه حتى في وقت الحروب الصليبية كان التسامح هو الاتجاه السائد للإسلام بالنسبة لغير المسلمين لا سيما اليهود والنصارى، هذا التسامح الذي من المستحيل أن نتصور شبيهاً به في الممالك المسيحية ، وفي ذلك العصر المبكر لا توجد أي صورة من التعصب الديني تجاه غير المسلمين».

وفي كتـاب (Blyden, Christianity, Islam and Negro Race Ed  ط 1969م   ص 25 ) : «تحت حكم الحكومات الإسلامية في أسبانيا كانت الجماهير من السكان المسيحيين تتمتع بحماية التسامح العريض الذي لم يكن نتيجة الاختيار السياسي بل مقتضى القانون الإسلامي، فكان المسيحيون يحكمون بقوانينهم الخاصة ومحاكمهم الخاصة حينما تكون القضية بينهم أنفسهم، وكانوا يحتفظون برؤسائهم الدينيين وكنائسهم».

وفي كتاب : الدور التاريخي للإسلام (M. N. Roy, the Historical Role of Islam ): «الخلفية التاريخية للإسلام والظروف الاجتماعية التي نشأ فيها طبعته بطابع التسامح الذي قد يظهر للعين غير المدركة لا يتفق مع روح التعصب التي اعتدنا تقليدياً بأن نربطها بالإسلام، ولكن لا إله إلا الله وحدها تخلق التسامح».

وفي كتاب (Islam at the Crossroads  ) ص 72 ، 73 : «أخلاقية الإسلام ethics في تصورها للسلوك الخلقي بالنسبة للفرد والمجتمع هي بلا حدود أرفع وأكثر كمالاً من مثيلتها في الحضارة الغربية، الإسلام ألغى الكراهية الإنسانية وفتح الطريق للأخوة والمساواة بين البشر، ولكن الحضارة الغربية لا تزال عاجزة عن أن تنظر أبعد من الأفق الضيق للشقاق العرقي والقومي، الإسلام لم يعرف قط الطبقية أو حرب الطبقات ولكن التاريخ الأوروبي منذ عهد الإغريق والرومان مملوء بالصدام الطبقي والكراهية الاجتماعية».

هذه الملاحظة التي يكاد يتفق عليها من كتبوا عن الإسلام من المفكرين الغربيين المحايدين التي تشير إلى أن التسامح مكون أساسي من طبيعة الإسلام، استلهمت من عشرات الآيات من القرآن والمئات من الأحاديث التي تأمر بالعفو والمغفرة والحلم والصبر على الأذى ومقابلة الإساءة بالإحسان وكان من الطبيعي أن يظهر أثر هذا التسامح في التعامل الإنساني مع الشعوب المغلوبة، والقدرة على التعايش الإيجابي مع المخالف، إذ بقيت الأقليات المخالفة للمسلمين في الدين تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي فكانت هذه الأقليات تستقل بوضع قوانينها وبقضائها واستثنيت من القانون الجنائي العام في الأمور التي لا تعتبر محرمة في دين الأقلية .

وكانت نتيجة ذلك الاندماج بين الأقلية المحكومة والأغلبية الحاكمة مما أثبت عملياً أن السبيل العملي للاندماج بين المواطنين المختلفي الثقافة وقدرتهم على العيش معاً بانسجام هو التسامح وليس التعصب والضغط والاضطهاد .

4 / كان من نتائج هذا القدر العظيم من التسامح أو ربما كان من أسبابه انتفاء التمييز بين البشر والذي اعتبر من أعظم إنجازات الإسلام، وطبقه المسلمون بصورة ربما لم يسبق لها مثيل في الحضارات السابقة، ولم يكن هذا أمراً غير طبيعي بل كان تطبيقاً عملياً لمضمون الآية الكريمة {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ( 13 سورة الحجرات )، وقول النبي r في الإعلان العظيم في حجة الوداع { لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب  } ( [10] ) .

وقد تكررت دعوة الـمفكرين الغربيين إلى أن يستفيد الغرب من دروس الإسلام في هذا المجال، من ذلك قول : ( Toynliee A. ) في كتاب ( Civilization on Trial ص 205 ) أن انعدام التمييز العنصري بين الـمسـلمين هو أحد الإنجازات الرائعة للإسلام وفي العالم المعاصر أعني في العـالم الـمتحضر الحديث توجد حاجة ملحة ( crying need ) إلى الدعوة لنشر هذه الفضيلة الإسلامية ) .

وفي كتــابه دراسة للتاريخ ( A Study of History ) في الصفحة 238 ( إن الأخوة الإسلامية بين الأعراق ليست مجرد دعوى نظرية بل هي  واقع علمي ) .

ويقول (Gibb) في كتابه (Whether Islam) صفحة 379 : (الإسلام لا يزال قادراً على أن يمنح خدمة جليلة للهدف الإنساني … لا يوجد مجتمع آخر كالإسلام كان له مثل سجله من النجاح في توحيد هذا العدد الكبير والمتنوع من الأعراق البشرية في مجال الـمساواة في الـمركز الاجتماعي والفرص في العمل والنجاح ) .

ويقول (غوستاف لوبون) في كتابه حضارة العرب صفحة 391 : ( إن العرب (الـمسلمين) يتصفون بروح الـمساواة الـمطلقـة وفقاً لنظـمهم السياسية وأن مبدأ الـمساواة الذي أعلن في أوروبا قولاً لا فعلاً راسخ في طباع الشرق ( الإسلامي ) رسوخاً تاماً، وأنه لا عهد للمسلمين بتلك الطبقات الاجتماعية التي أدى وجودها إلى أعنف الثورات في الغرب.

وجاء في ( Britannica v,12 p669  Encyclopedia ) إن العامل الجوهري والأكثر دينـاميكية في مجال الأخلاق الاجتماعية التي منحها الإسلام للإنسانية هو الـمساواة EQUALISATIONISM وكل أعضاء المجتمع المسلم بغض النظر عن العرق واللون أو المركز الاجتماعي أعضاء متشاركون على قدم المساواة في المجتمع .

5 / هناك أمر آخر يمكن أن يستفيده الغرب من الإسلام، ولو تم ذلك لأسهم في مقاومة الخطر الذي يهدد البشـرية بسبب انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهو منهج الإسلام في العـلاقات الدولية، إذ أن هذا المنهج ينبني على العدل، العدل الـمطلق في السـلم والحرب مع الأعداء والأصدقاء، ويعتمد آلية فعالة وهي القوة الإلزامية للاتفاقيات ومعلوم دور الاتفاقيات في إنشاء قواعد القانون الدولي .

يقارن هذا المنهج بمنهج الحضارة المعاصرة في العلاقات الدولية الـمؤسس على الـمصلحة القومية والقوة .. والذي كان من نتيجته, حربان عالـميتـان في خلال خمس وعشرين سنة, وسلسلة من الحروب الصغيرة الأخرى وفي كل هذه الحروب استخدمت أكثر الأسلحة تطوراً وأبلغها تدميراً .

يقول ألبرت أينشتاين في كتابه ( Out of My Later Years ): (لقد أوجدت التكنولوجيا وسائل للتدمير جديدة وفعّالة لم يعهد مثلها الإنسان من قبل وهذه الوسائل حين تقع في أيدي أمم تدعي أن لها الحق في الحرية المطلقة للعمل تصبح تهديداً محدقاً بفناء الجنس البشري).

ويكتب جاك ماريتان الفيلسوف الفرنسي في كتابه ( The Range of Religion ): (إن وضع المصلحة القومية فوق كل شيء وسيلة لفقد كل شيء, إن العالم الحر لا يمكن تصوره إلا بالاعتراف بأن الصدق هو التعبير عما هو واقع والصواب هو التعبير عما هو عادل, وليس التعبير عما هو نافع في وقت معين لمجموعة بشرية معينة).

ويقــول برتراند رسل في كتـــابه (Hopes for Changing World): (إن العالم يواجه كارثة محققة وهو يتساءل في حيرة لماذا لا يلوح في الأفق مجال للنجاة من مصير مؤسف لا يرغب به أي إنسان ؟ وأن السبب الرئيـس في ذلك أننا لم نُهيئ عقولنا للتعامل مع وسائلنا التكنولوجية.. إذا أردنا أن نحيا حياةً سعيدة… فلا مناص لنا من نبذ بعض الآراء والاستعاضة عنها بغيرها فنستعيض بالـمسـاواة عن حب السيطرة, وبالتعاون عن التغالب, وبالعدل عن حب الغلبة وشهوة الانتقام).

خــلاصة :

من قراءة الفقرات السابقة يمكن أن يكون الشخص رؤية عن الإسلام تتلخص في الآتي :

( أ ) الإسلام منهج كامل للحياة وكلٌ لا يتجزأ .

(ب) الإسلام يوجد لدى الإنسان تلاحماً عضوياً بين الفكر والحواس وتوازناً في الاستجابة لحاجات الجسد وحاجات الروح وتوافقاً بين الإنسان والعالم المحيط به .

(جـ) الإسلام أوجد في الماضي ولا يزال في إمكانه الآن أن يمنح قوة دافعة للتطور الإيجابي وحافزاً قوياً للتقدم المعرفي والحضاري والإنساني .

(د) الإسلام بدعوته للوسطية والاعتدال, ومقاومته للتطرف, واعتماده التسامح قاعدة للتعامل بين بني الإنسان, وإلغائه للتمييز العنصري والتعصب الطائفي والإقليمي, وفرضه العدل المطلق حدا أدنى في علاقة المسلم بغيره, الإسلام بكل هذا يقدم عوامل إيجابية لتحقيق الحرية والأمن والسلام .

(هـ) ليس المسلمون في الماضي هم من أوجد عظمة الإسلام وإنما الإسلام هو من أوجد عظمة المسلمين, والمسلمون يعيشون حالة التخلف والانحطاط ليس بسبب تطبيقهم لمبادئ الإسلام وقيمه, وإنما بسبب تخليهم عن تطبيق هذه الـمبــادئ والقيم .

(و) سبب تخلف المسلمين فقدهم لصفاء الإسلام ونقائه, وعجزهم عن تطبيقه كما طبقه المسلمون الأولون من الصحابة وتابعيهم .

إن رؤيتنا للإسلام والمسلمين تمــاثل هذه الرؤية ,

ونسجل أنه يمكن تفسير إجاباتنا عن الأسئلة في ضوء ذلك .

السـؤال الأول :

مؤسستكم معروفة بالـمنـهج السلفي ويطلق عليه الإسلام الأصولي، ما هي وجهة نظركم نحو الإسـلام الأصولي وما هو طريق دعوتكم إليه وما هي وجهة نظركم تجاه غير الـمسلمين ؟

الجـواب :

لو سألت أي مسلم : هل أنت سني أو شيعي أو حنفي أو شافعي فسيجيبك فوراً بلا أو نعــم، لأن معـــاني هذه الاصطلاحات محددة وواضحة في الدلالة على معانيها .

 ولكن لو سألته هل أنت سلفي فلن يستطيع أن يجيبك بلا أو نعم حتى يسألك بدوره : ماذا تعني بسلفي ؟

السبب أن هذا الاصطلاح ليس له مفهوم محدد، وفي كثير من الأحيان يكون مضللاً، يمكن أن يستعمل هذا الاصطلاح في مجال الادعاء أو مجال الاتهام. يحدث أن يدعي أناس مختلفون في الاتجاه أو متناقضون في التفكير بأنهم سلفيون كما يحدث أن يوصف أناس مختلفون في الاتجاه أو متناقضون في الفكر أنهم سلفيون.

إن الـمعنى اللغوي للسلفي، يعني المنسوب للسلف وهم الأشخاص السابقون، وفي المصطلح الإسلامي صحابة الرسول r وتابعوهم ومن سار على منهجهم وطريقتهم .

فإذا كان الـمقصود بالسلفي من يعتــبر القرآن والحديث الـمصدرين الأساسيين للإٍسلام، ويرى أنـه لا يجوز رفض أي أمر يقرره القـرآن أو الحديث الصحيح ويحترم الصحابة ويراهم أهلاً للاقتداء باعتبار أنهم هم الذين طبقوا الإسلام على الوجه الصحيح، فالغالب أن أي مسلم سني متعلم يعتبر سلفياً بهذا الـمعنى وإن لم يسم نفسه سلفياً، وذلك باستثناء عدد محدود من الـمتطرفين يرفضون أي أمر أو نهي في القرآن والحديث الصحيح إذا لم يكن متفقاً مع فلسفة الحياة الغربية .

وإذا كان الـمقصود بالسلفي من يسلم بالـمعنى الأول وبالإضافة إليه يرفض تقديس القبور والاعتقاد بوجود قدرات ميتافيزيكية للصالحين سواء من الأحياء أو الأموات ويرفض أي طقوس عبادية تضاف إلى العبادات الـموجودة في وقت الرسول r والصحابة. (مثل الاحتفال بمولد الصالحين، ورقص الصوفية).فإن عدداً أقل من عامة المسلمين سيدعي بأنه سلفي، (مثلاً الديوبنديون في القارة الهندية).

وإذا كان المقصود من يسلم بالمعنى الثاني ولكن يضيف إليه أنه مع الانتساب إلى أحد الـمذاهب الفقهية (الحنبلي مثلاً) يمكن الاجتهاد واختيار رأي فقهي من أحد الـمذاهب الأخرى، كما يرى رفض بعض الميتافيزيكيات التي يعتبرها خرافات وأوهاماً (مثل تعليق التمائم، واعتقاد أن بعض الأيام أيام نحس وبعضها أيام سعد، والتبرك بآثار الصالحين) فإن عدداً قليلاً بالنسبة لعامة الـمسلمين (هم من المتعلمين غالباً) سيدعي بأنه سلفي ( مثلاً: محمد بن عبد الوهاب، محمد عبده،  عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي ).

 وإذا كان الـمقصود من يسلم بالمعنى الثالث عدا أنه يرفض الانتساب لـمذهب من المذاهب الفقهية ويرفض التقليد رفضاً تاماً، ويلتزم هيئة معينة في أداء الصلاة قد تختلف عن الهيئة الشائعة بين مقلدي الـمذاهب فإن عدداً من الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجماعات أهل الحديث في القارة الهندية سلفيون بهذا الـمعنى .

وفي الجدل اللاهوتي في الـماضي وجدت فرق إسلامية تؤول صفات الله في القرآن والحديث أو بعضها بمعان تبعدها عن ظاهرها تفادياً لتشبيه الله بالـمخلوق مثل الـمعتـزلة والأشعرية، وإلى جانبهم وجدت طائفة تنكر تأويل الصفات المنسوبة إلى الله في القرآن والحديث وترى إقرارها على ظاهرها مع تنزيه الله عن تشبيه صفاته بصفات المخلوقين وتسمى هذه الطائفة نفسها بالسلفيين ( مثلاً ابن تيمية وابن القيم في القرن الثامن الهجري).

يلاحظ مما سبق أن السلفية مفهوم يتعامل مع قضايا لاهوتية بحتة، ولم يكن هذا الاصطلاح يتصل بقضايا سياسية مثل علاقة المسلم بغير المسلم قبل خمسة عشر عاماً أي قبل أزمة الخليج التي انتهت بالحرب ضد العراق.

بعد اجتياح صدام للكويت ووجود الجيش الأمريكي في المملكة العربية السعودية، وجدت معارضة شديدة لوجود الأمريكيين ليس من قبل صدام أو ابن لادن فحسب بل من كل الـمعـارضين للسعودية أو أمريكا من الـمسلمين سواء في القارة الـهندية ( الـهند، باكستان بنغلاديش ) أو الأردن أو شمال أفريقيا، وكانت غالبية الـمعارضين ممن لا يتسمون بالسلفية، ولا سيما بالـمعنى الثالث أو الرابع الـمشـار إليهما فيما سبق وبالعكس كان الـمتسمون بالسلفية بالمعنى الثالث أو الرابع أقرب إلى تبني وجهة النظر السعودية .

ويظهر هذا جلياً في الـمظاهرات التي نظمتها الـمعـارضة أو نظمت ضدها سواء في القارة الـهندية أو جنوب شرق آسيا وكان التبرير الديني لدى الـمعارضة أنه توجد أحاديث عن النبي r تقضي بأن لا يوجد دين منافس للإٍسلام على أرض شبه الجزيرة العربية .

وكان لبعض السلفيين بالـمعـنى الثـالث والرابع رأي مخالف يوافق رأي السعوديين .

لقد كان أنجح عمل إعلامي لصدام حسين هو عرض فيلم ( زائف ) يظهر جنوداً أمريكيين حول مكة والـمدينة لقد أشعل هذا الفلم غضباً لدى جماهير العالم الإسلامي في القارة الـهندية وجنوب شرق آسيا فانطلقت الـمظاهرات صاخبة ضد السعودية، منددة بوجود الأمريكيين على أرض السعودية (أرض الحرمين الشريفين) .

بدأت تظهر في الإعلام الأمريكي في منتصف العقد الأخير من القرن الـمنصرم نغمة تتحدث عن الإرهاب وتربطه بالثقافة الدينية السائدة في السعودية .

وبعد حادث 11 سبتمبر 2001 م، وفور هزيمة الجيش العراقي أمام جيش التحالف الدولي في مدة قياسية قصيرة، الأمر الذي أوجد إغراء للإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات معينة ضد بعض الدول المجاورة للعراق، نشطت الإدارة الأمريكية لتأكيد فكرة ربط الثقافة السائدة في السعودية بالإرهاب . فحشدت خلال عام 2003م مجموعة من كبار موظفيها ومن الخبراء من خارج الإدارة للشهادة أمام لجان الكونجرس في جلسات عديدة بغرض إقناع الرأي العام أن الثقافة الدينية السائدة في السعودية تخلق الإرهاب، أو تدعمه، أو تتعاطف معه، وذلك بزعم أن الثقافة السائدة في السعودية (الوهابية أو السلفية) لـهـا اتجاه خاص يميزها عن غيرها من الاتجاهات الدينية الأخرى في العالم الإسلامي، فيما يتعلق بعلاقة الـمسلم بغير الـمسلم , وفي هذا السبيل خصصت أكثر من جلسة استماع لإقناع الكونجرس بأن كل المؤسسات الخيرية السعودية تمول الإرهاب، وإن كانت كل هذه الشهادات لم تتمكن من ذكر وقائع محدده تسند اتهامها فضلاً عن إيراد أدلة إثبات على مثل هذه الوقائع.

بل إنه ظهرت فيما بعد أدلة قاطعة ثبتت كذب الاتهام فعلى سبيل المثال: في مايو 2003م اختطف الأمريكيون مدير مكتب مؤسسة الحرمين الخيرية السعودية في تنزانيا وانتهى به الأمر إلى سجن (باغرام ــ  سيء السمعة) في أفغانستان وتعرض لأقسى أنواع التعذيب، ووقتها أعلن أن المكتب أغلق لأن مديره كان يخطط لعمليات إرهابية.

وبعد خمسة عشر شهراً من سجن هذا الـمدير الـمتـهم أطلق سراحه واعترفت الإدارة الأمريكية بأن القبض عليه واتهامه حدث خطأ.

وعندما صدر تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر المقدم للكونغرس الأمريكي تضمن فصلا خاصاً عن مؤسسة الحرمين الخيرية، وتضمن نصوصاً صريحة تفرض على من يقرأها بتأمل الاقتناع ليس فقط بأن الإدارة الأمريكية لا تملك الدليل على اتهامها لمؤسسة الحرمين الخيرية وتصنيفها بأنها تدعم الإرهاب، بل إلى الاقتناع بكذب الاتهام، ويلاحظ أن المؤسسة المذكورة هي أكثر المؤسسات السعودية التي تعرضت للأذى من قبل الإدارة الأمريكية .

التبرير الديني لـمعارضة وجود الجيش الأمريكي في السعودية، واتهام الثقافة الدينية السعودية بأنها خطر على السلام العالمي بزعم أن هذه الثقافة تختلف عن غيرها من الاتجاهات الإسلامية الأخرى فيما يتعلق بعلاقة المسلم بغير المسلم .

كلا التبريرين في الحالتين واضح الزيف يتضح ذلك فيما يأتي:

في الحالة الأولى :

لم يسبق في الفترة الـماضية لأحد (حتى لو كان أكثر الـمتدينين تشدداً في السعودية أو غيرها) أن اعترض على وجود غير الـمسلمين على أرض السعودية بمبرر ديني. ( مكة والمدينة لهما وضع استثنائي خاص ).

في الخمسينات من القرن الـمنصرم كانت توجد قاعدة عسكرية أمريكية على أرض السعودية، ووجدت معارضة قوية لبقائها وكانت هذه الـمعارضة من القوة بحيث لم تستطع الحكومة السعودية مقاومتها فطلبت من الولايـــات الـمتحدة إجلاء هذه القوة، واستجاب الأمريكيون وفككوا قاعدتهم ، ولكن في هذه الـمرة كانت الـمعارضة من القوميين وهم على كل حال يفكرون في اتجاه معاكس للمتدينين، وكانت مبررات الـمعارضة بالطبع وطنية لا دينــية .

حتى ابن لادن لم يكن له اعتراض على وجود غير المسلمين من غير الأمريكيين سواء كان غير المسلمين من اليابانيين أو الكوريين أو السويديين أو غيرهم .

وفي الحالة الثانية :

لا تجهل الإدارة الأمريكية أنه خلال السبعين سنة الماضية لم يكن لأي بلد أجنبي وجود على أرض السعودية مثل ما كان لأمريكا، كانت المملكة العربية السعودية تعج بالأمريكيين (شركات، ورجال أعمال، وخبراء وعمال وجواسيس) ومع ذلك فبشهادة الأمريكيين أنفسهم لم توجد حالة واحدة ميز فيها ضد أمريكي بسبب دينه الـنصراني لا من جهة القانون، ولا من جهة شروط العمل ولا حتى معاملة الشخص العادي.

ولا تجـــهل الإدارة الأمريكية أن الأجــانب في السعودية يزيدون على ( 25 % ) من السكان ونصفهم على الأقل من غير الـمسلمين ومع ذلك فلم تذكر حالة واحدة ميز فيها في الـمعاملة بين الـهندي الـمسلم والـهندي الـهندوسي أو الفلبيني الـمسلم والفلبيني النصراني أو التايلندي الـمسلم والتايلندي البوذي . سواء بالنسبة للقانون أو لشروط العمل أو حتى معاملة الشخص العادي ( الاستثناء الوحيد عدم السماح بدخول غير الـمسلمين مكة والمدينة، وعدم السماح ببناء أماكن للعبادة والاستثناء كما يقال يؤيد القاعدة ولا ينقضها ، وعلى كل فإن هذه أحكام دينية يتفق عليها الـمسلمون ولا يختص بها السعوديون فلا يصح الاستدلال بها على أن الثقافة السائدة في السعودية تختلف عن أي ثقافة سائدة في أي قطر إسلامي آخر فيما يتعلق بعلاقة الـمسلم  بغير الـمسلم ) .

إنه لم يسبق لأمريكا قبل الفترة الأخيرة أن اتهمت الثقافة السعودية السائدة بمثل هذا الاتهام، ولا تدعي أمريكا أن الثقافة السعودية تغيرت واكتسبت السعودية خلال عشر سنوات ثقافة متشددة لم تكن لـها من قبل (إذا وجد أفراد شذاذ فهذا لا يغير من الأمر شيئاً ) .

إن الثقافة الدينية السائدة إذا افترضنا أنها تتميز عن غيرها وأنها تستحق اسماً خاصاً ( وليكن الوهابية ) فإن الوهابية بسبب ظروف مختلفة تعرضت خلال الـمائتين وخمسين سنة الـماضية للهجوم والنقد والاتهام بالحق وبالباطل مثل إتهامها أنها تعادي الاتجاهات الإسلامية الأخرى وتتطرف في عداوة الـمسلمين الآخرين، ولكن لم يسبق قط أن اتهمت بأن لها اتجاها خاصاً يميزها عن غيرها بالنسبة لعلاقة الـمسلم بغير المسلم .

هذا التصور الجديد للسلفية في بروبوجاندا ابن لادن و البروبوجاندا الأمريكية رسخ في الأذهان كحقيقة مسلمة في فترة من الزمن قصيرة، وليس هذا غريباً على القوة المذهلة للإعلام المعاصر فهناك ما هو أغرب إليك هذا الـمثال :

بعد الحادث الإجرامي الفظيع في 11 سبتمبر بثلاثين ساعة اقتنع العالم كله بأن الإدارة الأمريكية اكتشفت هوية اثنين من الطيارين الانتحاريين اللذين ملأت صورهما الشاشات التلفزيونية هما الأخوان بخاري سعوديا الجنسية وفي خلال ثلاثة أيام عرف العالم كله أن الإدارة الأمريكية اكتشفت هوية تسعة عشر هم الخاطفون المفترضون للطيارات الأربع وقيل إن منهم أحد عشر من الجنسية السعودية، وكانت الأماكن العامة والـمطارات العالمية ومحطات القطارات تعرض صور الانتحاريين التسعة عشر وأسماءهم، وبالرغم أنه لم يمض عشرة أيام على الحادث حتى ظهر أن أحد الأخوين بخاري لا يزال حياً، وأن الآخر كان قد مات قبل سنة من الحادث، وحتى ظهر أن ثمانية من السعوديين الانتحاريين المفترضين أعلنوا أنهم لا يزالون أحياء، إلا أن الأخبار التي دخلت في الأذهان لأول مرة ظلت قناعة راسخة لا تتزعزع، وحتى في السعودية ذاتها لا يزال الناس يرددون بأن خمسة عشر سعودياً كانوا ضمن الانتحاريين المفترضين على الطائرات الأربع .

إن الإعلام الغربي وبخاصة الإعلام الأمريكي لديه قدرة على توظيف معطيات علم النفس الاجتماعي ومنها أن الـمتـلقي عادة ضعيف الذاكرة، وحتى لو كان قوي الذاكرة فإنه عادة لا يلجأ إلى تحليل الأخبار ومقارنتها، والانتباه إلى معارضتها للواقع الملموس وإن المتلقي عادة يصدق من الأخبار ما يحب تصديقه ، وإن السياسيين والإعلاميين كثيراً ما يراهنون على تكنولوجيا الكذبة التي لا تصدق هذه التكنولوجيا التي وردت في كتاب (كفاحي)  ولكن لم تكن من اختراع (هتلر) بل كان الناس يمارسونها من عهد (مكيافللي).

ويعرف الساسة والإعلاميون أن الخبر  وإن ظهر فيما بعد كذبه فإن ذلك يكون بعد أن حقق الخبر غرضه ووجَّه الـمتلقي إلى الوجهة المطلوبة.

في ضوء ما سبق نقول إن كانت السلفية بالصورة التي تظهر بها في الخطاب الإعلامي لابن لادن أو لأمريكا فهي بالتأكيد ليست لنـــا .

أما إن كانت السلفية تعني اعتقاد :

( أ ) أن الإسلام في خلال أربعة عشر قرناً وجد في بيئات تتشكل من فسيفساء من الأعراق والثقافات والخلفيات التاريخية ، وأنه تأثر بذلك فبعد عن الصورة النقية للإسلام كما هي في القرآن والأحاديث الصحيحة .

(ب) وأن الصورة النقية للإٍسلام جرى تطبيقها في عصور الإسلام الـمبكرة وبالذات في عهد الخلفاء الأربعة .

( جـ ) وأن هذه العصور الـمبكرة كانت هي العصر الذهبي للإسلام .

( د ) وأن هذه الصورة التي طبق بها الإسلام مبكراً هي بالـمقارنة مع الصور الأخرى للإسلام التي ظهرت في عصور لاحقة أقرب إلى مبادئ الإسلام الأساسية ، مثل توحيد الله ورفض الخرافات والأوهام، ورفض الطبقية والتمييز بين البشر بسبب العرق أو اللون أو الجغرافيا أو التاريخ أو الجنس واعتبار العدل هو الحد الأدنى في علاقة الـمسـلم بغيره مسلماً أو غير مسلم في السلم والحرب، وأن من وراء هذا الحد الأدنى الدعوة إلى مقابلة السيئة بالإحسان والبر والعفو والصبر والتسامح، وتأييد فكرة التعاون بين البشر ورفض روح الصراع .

( هـ)   وأن الإسلام بمرونته وقدرته على التطور الإيجابي ودعوته للاجتهاد وعدم التقليد الأعمى صالح لكل زمان ومكان .

( و ) وأنه إن صح ما يقوله الـمـؤرخ أرنولد توينبي أن عشرين حضارة كلها بدون استثناء بادت بسبب الحرب أو نظام الطبقات، وأن حضارتنا الحديثة ليست محصنة عن هذا المصير .

 وإذا كان واقعاً أن العلاقات الدولية تؤسس حالياً على المصلحة القومية (أو الأنانية الوطنية) والقوة. فإن الإسلام بإلغائه النظام الطبقي، واعتباره أن إرادة العلو والفساد في الأرض وسفك الدماء ثالوث يمثل أسوأ صور الشر في علاقة الإنسان بغيره حيث يكون الأول خطراً على الحرية والثاني تدميراً للطبيعة المادية والثالث عدواناً على الحياة البشرية.

(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ( 30 سورة البقرة )،   (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض         ولا فساداً) ( 83 سورة القصص ) .

وأن الإسلام باعتماده العدل حداً أدنى للعلاقات بين الدول .

إن الإسلام بهذه التصورات يمكن أن يقدم للبشرية ما يبعد عنها شبح الفناء والدمار.

( ز ) وفي الأخير إن القرآن (مصدر التفسير الصحيح للإسلام) لم يتغير نصه منذ عهد الرسول r، وإن العلم لم يكتشف حتى الآن من الحقائق ما يناقض أي جزء من مضامينه أو أن جزءاً منه ينفي علمياً أو عقلانياً أن يكون ( كلمة الله ) .

إذا كانت السلفية هي اعتقاد ما ورد في الفقرات السبع السابقة فإنها منهجنا .

أما منهجنا في الدعوة إلى السلفية بالتصور السابق فيعتمد :

أولاً:  الـمنهج الذي قرره القرآن (في مواضع عديدة ربما تصل إلى ثلاثمائة موضع أو تزيد) في الحكم على الآراء والأشيــاء والأشخاص حيث يوجب هذا الـمنهج أن يعتمد الحكم في ذلك على :

1. العلم بأن يبذل الإنسان ما في وسعه ليصل إلى الحقيقة .

2. والـموضوعية وعدم التحيز .

ثانياً: الانفتاح وعدم الانغلاق تجاه الآخر .

ثالثاً: عدم التعصب، ومقابلة الرأي الـمخــالف بمثل ما عبر عنه أحد السلف (الإمام الشافعي في القرن الثاني الـهجري) حيث يقول لـمن ينازعه الرأي « رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب » .

رابعاً: البعد عن الدخول في أي نزاع أو شقاق أو مهاترة وبالرغم من أننا نهاجم في بعض الأحيان من قبل آخرين فإننا دائماً نتفادى الرد بمهاجمة الآخرين .

خامساً: الاهتمام ــ في الدرجة الأولى ــ بالتعليم والتوعية ورفع الجهل بالإسلام، وتقديم الحقائق مقابل الصور الزائفة .

لقد كان نتيجة اتباعنا هذا المنــهج هو قبولنا لدى الجالية الإسلامية على اختلاف خلفياتهم الثقافية، ومذاهبهم التي ينتمون إليها، والبلدان التي قدموا منها، وقد يسر هذا معرفة الجميع أننا لسنا نتاج حركة مذهبية، أو حزب سياسي، أو جماعة متميزة . أو منفذين لسياسة حكومة معينة أو أوامرها .

وأما الأصولية: فنقول إن مصطلح الأصولية نشأ في بيئة خاصة في ظل ظروف معينة ولذلك فإن نقل هذا الاصطلاح إلى نظام يعيش في بيئة مختلفة تحكمها ظروف مختلفة، خليق بأن يؤدي إلى تشويش، واضطراب في الرؤية، بل وإلى تضليل، ومن هنا نعرف أن مصطلح الأصولية وجد نسبة إلى الكتيبات التي ظهرت في الولايات الـمتحدة الأمريكية في العقد الثاني من القرن المنصرم تحت عنوان FUNDAMENTALS وأنها نشأت أصلا من الحركة الألفية في القرن التاسع عشر، وكانت تمثل رد فعل عنيف للنقد العلمي الذي وجه لـ (Bible) وترى هذه الأصولية تفسير نصوص الكتاب المقدس حسب ظاهرها، وأن كل ما تضمنته هو عين الحقيقة ولو خالف الحقائق العلمية المكتشفة أو المنطق العقلي، وكل ما تضمنته هو كلمة الله .

قُرنت الأصولية في كثير من الأحيان بالتعصب والعدوانية والاستعداد لاستعمال العنف، فأصبح هذا الاصطلاح يعطي كل هذه الإيحاءات ولذلك فإننا نرفض تسمية الإسلام بالإسلام الأصولي، لاننكر أنه يوجد بين المسلمين متطرفون أو متشددون كما هو الشأن في جميع الديانات، ولكن التطرف والغلو مناقض لسمة الإسلام الأساسية (الوسطية والاعتدال) كما أشير إلى ذلك في الـمقدمة .

بالإضافة إلى ذلك فإنه لم يوجد حتى الآن كشف علمي يناقض نصاً في القرآن .

في الـماضي أثيرت شكوك حول موثوقية القرآن من قبل المستشرقين ولكن كلما تقدم الزمن تضاءلت هذه الشكوك وصار المستشرقون أقرب إلى التسليم بموثوقية القرآن .

وفي الـماضي اتهمت بعض الجماعات في العالم الإسلامي بأن لديهم أفكاراً أو أقوالاً تمس بموثوقية القرآن ولكن في العصر الحاضر فإنه لا أحد من الـمسلمين يجرؤ على قول بأن في القرآن نقصاً أو زيادة أو تعديلاً عما كان عليه عند موت الرسول r، وحتى الشيعة الآن ينكرون اتهامهم بذلك.

بعبارة أخرى لا يوجد شخص يدَّعي أو يُدَّعَى له أنه مسلم وفي الوقت نفسه يصرح بشكه في موثـوقية القرآن ، وعلى هذا الأساس حكمت المحكمة العليا في مصر على نصر أبو زيد بالردة والأمر مختلف بالنسبة لـ (Bible) أنه يمكن بالنسبة لـ (Bible) أن يدعي شخص أنه مسيحي أو يهودي وفي الوقت نفسه يصرح بأن جزأ من الكتاب المقدس (Bible) من عمل البشر، أو حتى أن الأنبياء الـمذكورين بما فيهم إبراهيم وموسى ليسوا شخصيات تاريخية .

 معنى ما تقدم إنه إما أن يكون الـمسلمون كلهم أصوليين بالـمعـنى القاموسي للاصطلاح ( FUNDAMENTALS ) أو أن لا يكون الإسلام أصولياً !

قبل وفاة Grace Halsell عام (2000 م) كتبت كتابهاForcing God’s Hand كان هذا الكتاب الوثائقي عن الأصولية النامية بسرعة في الولايات الـمتحدة الأمريكية .

وجاء في هذا الكتاب (p.19) أن جامعة أكرون أجرت في عام 1996م مسحاً عن الدين والسياسة، أظهر هذا الـمسح أن 31 % من  سكان الولايات المتحدة الأمريكية الـمسيحيين يؤمنون أو يؤمنون  بقوة بحرب أرمجدون وهذه الحرب حسب النبوءات ستقع في  الشرق الأوسط حيث يقتل فيها مائتا مليون من الكفار ويرتفع فيها سيل الدماء حتى يبلغ أعنة الخيل لـمسافة تمتد من القدس إلى 200 ميل (p.21  Ibid).

وقد توقع الرئيس الأمريكي ريجان أن تكون الحرب في الجيل الذي يعيش فيه، وعبر عن تشوفه بأن تكون في فترة رئاسته . ( حديثه في عام 1980 إلى جيم باركر, وفي (ص 21) حديثه عام 1983م إلى Tom Dine أحد أعضاء لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأمريكية (p.17  Ibid).

وانظر أيضاً في خطاب الرئيس كلنتون ـ أكتوبر 1995م ـ أمام  الكنيست في إسرائيل حيث قال : ( إن إرادة الله قضت بأن تكون إسرائيل كما هي في العهد القديم من النيل إلى الفرات لشعب إسرائيل إلى الأبد وأن إرادة  الله  يجب أن تكون إرادتنا ) .

أما الرئيس بوش فقد كرر التصريح بأنه قبل إصدار قراراته يستشير أباه الذي في السماء .

إن الأصولية خطر على الحرية والسلام في العالم كلما ادعت أنها بقتلها الآلاف من الأبرياء كانت تنفذ إرادة الله سواء ظهرت هذه الأصولية تحت اسم رئيس القاعدة أو اسم رئيس دولة تملك من أسلحة الدمار الشامل ما يكفي لتدمير سبعة عشر كوكباً مثل كوكبنا الأرضي .

كل الأصوليات خطر على عقولنا ومواهبنا وأرواحنا وإيماننا وإنسانيتنا وفي ذلك تستوي كما قال غارودي ــ أصوليات التكنوقراطية والستالينية والـمسيحية واليهودية والإسلامية وحتى العلمانية .

لكل ما سبق نسلم بأنه قد يوجد بين الـمسلمين متشددون أو متطرفون، ولكنا نتحفظ بشدة على وصف الإسلام بالأصولي، لاسيما وأننا حينما نقارن بين من يَصفون الإسلام بالأصولي نراهم لا يتفقون في هذا الوصف على مفهوم واحد بل يعنى كل منهم لوناً في طيف عريض من الألوان و التفسيرات الـمختلفة بل والـمتناقضة للإسلام .

وللإجابة عن السؤال ما هي وجهة نظرنا نحو غير المسلمين ؟

نقول إن وجهة نظرنا هي وجهة نظر الإسلام وهي في رأينا تتلخص في الآتي :

العدل الـمطلق وليس النسبي أو الـمزدوج هو الحد الأدنى الذي ينظم علاقة الـمسلم بغير الـمسلم سواء كان غير الـمسلم محارباً أو مسالـماً، عدواً أو صديقاً قريباً أو بعيداً .

فإذا كان غير الـمسلم في حالة حرب معلنة ضد دولة إسلامية، فيبقى العدل هو أساس معاملة الـمسلم له فلا يجوز للمسلم ظلمه، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط           ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)             ( 8 سورة الـمائدة ) .

قال الـمفسرون معنى الآية : لا تحملكم عداوة وبغض قوم يقاتلونكم بسبب دينكم أن تظلموهم، ويشهد لهذا المعنى الآية الأخرى: ( ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ) ( 2 سورة المائدة )، أي لا تحملكم عداوة هؤلاء القوم الذين قاتلوكم وأخرجوكم من دياركم وصدوكم عن المسجد الحرام، أن تظلموهم بل التزموا العدل في معاملتهم، قال المفسر ابن كثير : العدل مطلوب من كل أحد لكل أحد في كل حال .

وإذا كان العدل يسمح بالـمعـاملة بالـمثـل فإن هذا الـمعيـار في الإسلام محدد ومقيد بالالتـزام بما توجبه الأخلاق النبيلة، وبالقيود الشرعية، فكما يقول الـمفسر الكبير القرطبي إذا مثل أعداؤنا بقتلانا فلا يجوز لنا التمثيل بقتلاهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الـمُثلة، وإذا قتلوا نساءنا وأطفالنا وغير المقاتلين منا فلا يجوز لنا أن نقتل نساءهم وأطفالهم وغير المقاتلين منهم .

على أنه بالنسبة لـهـؤلاء الـمحـاربين لا يجوز للمسلم موالاتهم الـمتضمنة نصرهم على الـمسلمين، قال تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) ( 9 سورة الممتحنة ) .

أما بالنسبة للمسالم فحقه على الـمسلم مع العدلِ البرُّ والإحسانُ (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) ( 90 سورة النحل )، (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب الـمقسطين ) ( 8 سورة الممتحنة ) . فإن كان مواطناً فله على الدولة حق حماية نفسه وماله وحريته ، وحق الكفالة الاجتماعية مثل ما للمسلم والـمساواة مع الـمسلم أمام القضاء ، ويستثنى غير المسلم من تطبيق القانون الجزائي الإسلامي بالنسبة للأفعال التي لا يعتقد تحريمها في دينه، وقد ظل الـمسلمون طوال القرون يتركون للأقليات غير المسلمة إصدار قوانينهم الخاصة وتطبيقها والتقاضي أمام محاكمهم الخاصة التي ينشئونها هم .

واستمر هذا التقليد حتى عصر العثمانيين .

وكان الـمسلمون في هذا يتبعون سيرة نبيهم، فبعد هجرته إلى الـمدينة تكونت دولة الـمدينة برئـاسته ، وكان في تكوين هذه الدولة يوجد إلى جانب الـمسلمين بعض الوثنيين وقبائل من اليهود .

وبالرغم من أن هؤلاء كانوا يؤذونه ويؤذون المسلمين بالكلام، ويوجهون إليه وإليهم وإلى الدين الإهانات والاحتقار كما اخبر بذلك القرآن في عدة مواضع مثل قوله تعالى (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) ( 58 المائدة )، إلا أنه مع ذلك لم يكن يلجأ لعقابهم طاعة لأمر الله . ( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب  من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ) ( 186 سورة آل عمران )، ( ولا تزال تطلع على خائنة منهم ) أي اليهود ( فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) (13 سورة الـمـائدة).

ولم يعـاملهم بالعنف إلى أن حولوا هم الأذى من القول إلى الأذى بالفعل فاتخذ ضدهم الإجراءات العقابية الـمعروفة في السيرة .

من النادر أن نجد حتى في الوقت الحاضر دولة تتسامح تجاه حرية القول لدى الأقلية الـمخـالفة لـهـا في الدين والثقافة إلى هذه الدرجة من التسامح .

إذا كان غير الـمسلم أباً أو أماً أو زوجة أو قريباً أو جاراً فإن له حقوقاً مثلما للمسلمين ، قال تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك إليَّّ المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً) ( 14 ـ 15 سورة لقمان )، (والـمحصنات        من الـمؤمنات والـمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)                (5  سورة الـمـائدة )، (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) ( 1 سورة النساء )، (والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) ( 36 سورة النساء ) .

الخــــــــــلاصة :

في الإجابة على السؤال ما هي وجهة نظركم نحو غير المسلمين ؟ نقول أنه لا خيار لنا في معاملتهم إلا اتباع الـمنهج الـمشار إليه آنفاً، وهو  الـمنـهج الذي توجبه نصوص القرآن الصريحة وتوجبه أحاديث الرسول r الصحيحة كما تهدي إليه سيرة الخلفاء الراشدين .

على أن مما يجب التنويه به أن الـمسلمين على اختلاف العصور وقع اختلافهم في كثير من الـمسائل ولكنهم ظلوا متفقين على الـمنـهج  الـمشار إليه في تعاملهم مع غير الـمسلمين ولا نعرف أن أحداً من فقهائهم وعلمائهم شذ عن هذا الـمنهج إذ أنه منهج مقرر كما ذكرنا بنصوص القرآن والصحيح من الأحاديث .

إنه نتيجة لـهذا الـمنـهج الإنساني الإسلامي في علاقة المسلم بغير المسلم في كل العصور إلا ما شذ، تعبد الطريق في ظل الدول الإسلامية في الماضي إلى الانسجام بين المجتمعات وإلى درجة متفاوتة من الاندماج.

وقد ردد الـمؤرخون الغربيون إشادتهم بالاندماج بين الأغلبـية والأقليات، وبين الأقليات الـمختـلفة فيما بينها في أسبانيا وقت حكم الـمسلمين واعتبروا تلك التجربة الفريدة نقطة مشرقة في التاريخ الإنساني.

إذا كان الـمسـلمون ــ في القرون الوسطى ــ وهم الأغلبية الحاكمة يتعاملون مع الأقلية غير الـمسلمة المحكومة بالمستوى الذي وصفناه من التسامح فما الذي يبرر أن  يظن الإنسان في عصر التنوير والعقلانية أن الأقلية الـمسلمة الـمحكومة سوف تعجز عن النظر إلى الأغلبية بتسامح ومشاعر إيجابية .

التجربة التاريخية الإسلامية تثبت أن الاندماج الإيجابي في مجتمع متعدد الثقافات والأعراق شرط لازدهار الحرية، ورسوخ السلام الاجتماعي، وأن الاندماج الإيجابي لا يتحقق إلا بالوصفة الناجحة التي صرح بها القرآن أعني “التعارف”: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) (13سورة الحجرات ) فالجهل والتعصب هما عدوا الاندماج .

 قيدنا الاندماج بالوصف الإيجابي للتنبيه إلى أن الاندماج السلبي، الذي يفقد فيه المجتمع تنوعه الثقافي، إن أمكن بعد وقت طويل وبعد معاناة إنسانية فادحة ـ فإنه خسارة وليس ربحاً، لأن من المحتمل جداً أن يجلب للمجتمع الجمود والتخشب والعقم، الاندماج السلبي يعني أن تذوب الثقافات المتنوعة في ثقافة واحدة .

لقد قدمت لنا أسبانيا تجربة، بعد سقوط حكم الـمسلمين في الأندلس ذابت الثقافة الإسلامية في الثقافة الكاثوليكية بعد مرور قرون من الـمعاناة الإنسانية تحت ظل محاكم التفتيش, واستحقت أسبانيا بعد ذلك أن يصفها دوماس الأب بالساعة الواقفة .

في حالة الأقلية الإسلامية خاصة فإن ذوبان ثقافتها في ثقافة الأغلبية الأوروبية لا يقتصر على تدمير مجتمع الأقلية الإسلامية وحدها، بل يمتد بالضرر إلى الـمجتمع الكبير كله .

إن الـمسلم حين يفقد دينه فإنه ولأجيال عدة لن يستطيع أن يعوضه بدين آخر، وذلك يعني انهيار الأساس الخلقي لديه، ولنا أن نُقيّم شخصاً بدون أساس خلقي ونتنبأ بصورة سلوكه .

لعل من الـمنـاسب أن فكرة وجود مؤسسة الوقف في أوروبا نشأت إثر ما لاحظ بعض المؤسسين للمؤسسة، النسبة غير الـمريحة لعدد الـمساجين من الـمسلمين في السجون الأوروبية، ممن هم من الجيل الثاني والثالث فقد وجدوا، أن السبب في ذلك ضعف الأساس الخلقي لدى هؤلاء الناشئين عن انشغال آبائهم عن تربيتهم والعناية بتكوينهم الخلقي الأمر الذي نشأ عنه ضعف هويتهم الثقافية .

في مجتمع يقبل التعددية، ويرى أن التنوع الثقافي مصدر خصب وإثراء للإنسانية تكون مسؤولية تحقيق الاندماج الإيجابي فيه على الجانبين .

وفي حالة الأقليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا تكون المسؤولية على البلاد الـمضيفة أكبر  للأسباب الآتية :

قبل انهيار الإتحاد السوفيتي وخلال مائة سنة سابقة كانت الأقليات الإسلامية في العالم الحر تتمتع بالحرية وبقدر كبير من الأمان، وبنظرة مطمئنة إلى الـمستقبل، ولم تكن الـمجتمعات المضيفة تشعر نحو هذه الأقليات بمشاعر القلق أو الخوف أو العدائية، ربما كانت تشعر تجاهها بالتعالي الذي قد يبرره الواقع، كما كانت الصورة النمطية للمسلم في نظر الأوروبي والأمريكي غير مشرقة، ربما بسبب الرواسب الثقافية التي كان يغذيها الإعلام, على سبيل الـمثـال في الاستطلاع الذي أجري عن هذه الصورة النمطية في الولايات الـمتحدة الأمريكية عام 1980 م كانت نتيجة الاستطلاع أن من أجابوا عنه يرون أنَّ الـمسلم أو العربي بربري وقاسي 44%، خداع ولا يوثق به 49%، متعطش للدم 50%، مضطهد للمرأة 51%، معاد للمسيحية 50%.

كانت المشاعر نحو الـمسلمين في العالم الحر حقاً سلبية، ولكنها لم تكن عدائية إلى درجة الخوف الـمتـبادل (الفوبيا). ولقد تغير الوضع كثيراً بعد انهيار الإتحاد السوفييتي .

أظهرت نتائج الاستطلاع الذي نشرته “وول ستريت جورنال” الأوروبية في 10 ديسمبر 2004 م أن الذين يرفضون وجود الـمسـلمين في أوروبا الغربية حوالي 50% من الأوروبيين، وبلغت هذه النسبة 75% في السويد المشهورة بالتسامح تجاه التعددية، وبسجلها الناصع في احترام الحريات وحقوق الإنسان . وبعد أسابيع من هذا الاستطلاع، أظهر استطلاع أجرته جامعة “بيركلي” في الولايات المتحدة أن حوالي نصف الشعب الأمريكي يؤيدون تقييد الحقوق المدنية للمسلمين في أمريكا .

 بالطبع لم يكن كل ذلك نتيجة لأن الأقليات الـمسلمة في أوروبا وأمريكا تختلف في التكوين أو السلوك الاجتماعي عن غيرها من الأقليات الآسيوية أو الأفريقية .

ربما كان للرواسب الثقافية تأثير، ولكن لم تكن هذه الرواسب الثقافية كل السبب ..

وليس كل السبب أيضاً أنه نسب لبعض المسلمين نشاط إرهابي، لأن عدد ما ثبت بالإجراءات القانونية ارتكابه من قبل مسلمين، بل ما ادعي ارتكابه من قبل أشخاص مسلمين وإن لم يثبت، نسبته قليلة بالقياس إلى عدد ما ارتكبه غيرهم من أنشطة إرهابية لا سيما في حالة الجيش الأيرلندي ضد المملكة المتحدة، أو حالة الباسك ضد اسبانيا. ولم تكن تلك الحالات الأخيرة لتحمل بريطانيا أو اسبانيا على تعديل أو التفكير في تعديل إجراءات العدالة، وعلى كل حال فلم تواجه السويد حوادث إرهابية نسبت إلى الـمسلمين .

 ربما كان التفسير الـمعقـول لـهـذا التغيير الدراماتيكي لنظرة الأوروبي أو الأمريكي للأقلية الـمسـلمة، هو ما عبرت عنه تقارير U.E.M.C الـمنشـورة في 23 مايو 2002 م من أن العامل المهم وراء الاعتداءات التي تعرض لـها أشخاص مسلمون أو مؤسسات إسلامية في السويد والمملكة المتحدة اثر حادث 11 سبتمبر الإجرامي، هو التغطية اللامسؤولة للإعلام في السويد والـمملكة الـمتحدة .

في الحقيقة أنه ليست الحوادث الإجرامية الشنيعة في الولايات الـمتحدة أو أسبانيا هي التي دفعت الإعلام في أوروبا وأمريكا للخطاب السلبي تجاه المسلمين، بل إن الإعلام استغل تلك الحوادث استغلالاً من شأنه التأثير على الرأي العام بالصورة التي شاهدناها .

إن مسؤولية الأقليات الإسلامية ومسؤولية الـمجتمعات الـمضيفة في أوروبا وأمريكا مسؤولية مشتركة في العمل الجاد على إزالة كل العوائق في طريق الاندماج الإيجابي بين الأقلية والبلد الـمضيف .

إنَّ الشرط الأساسي لتحقيق ذلك أن يتخذ الاندماج الإيجابي هدفاً وغاية وليس مجرد مبرر في خطاب السياسيين أو الإعلاميين، وبدون هذا ستلقي علينا الأجيال اللاحقة اللوم بحق، ولن يعذرنا التاريخ .

السؤال الثاني :

ماذا تقولون للمسلمين عندما يسألونكم كيف تتعايشون مع المجتمع الغربي، وما هو موقفكم من الرؤية التي تستبعد كل قانون يعارض القوانين الإسلامية ؟

الجواب :

ليس نادراً أن تجد شخصاً يرى أنَّ مصلحته في مخالفة القانون، ثم لا يتردد في مخالفته إذا اطمأن إلى أنَّ مخالفته لن تكتشف من قبل الجهة المشرفة على تنفيذ القانون، وذلك دون أن يشعر بتأنيب الضمير، فأما المسلم فحتى لو اطمأن إلى أنَّ مخالفته لن تكشف فإنه إذا كان مسلماً ملتزماً لن يطمئن إلى أنه لم يرتكب ذنباً يعاقبه الله عليه، ولهذا فكثيراً ما توجه للعلماء الذين يحضرون ملتقيات مؤسسة الوقف مثل هذا السؤال : هل يجوز أن أدعي كاذباً أني طلقت زوجتي لكي تحصل العائلة على نصيب أكبر من التأمين الاجتماعي ؟ فيجيبه العالم إنك لو فعلت ذلك تكون قد ارتكبت حراماً تعاقب عليه ، لأنك كذبت وارتكبت غشاً نحو القانون، وارتكبت الخيانة وأخللت بالتزامك لأنك عندما دخلت البلاد التزمت بعدم مخالفة القانون، وأكلت الـمال بالباطل، وكل هذه معاصٍ وذنوب تعاقب عليها إن ارتكبتها .

إنَّ من يراجع أعمال الـملتقيـات سوف يجد هذا واقعاً، ولعل هذا كافٍ في إجابة السؤال .

وكما قدمنا إذا كان المسلمون في بلادهم وفي مختلف العصور تعايشوا مع المجتمعات الأخرى في انسجام وتوافق، فلا نرى محلاً لافتراض أنَّ المسلمين وهم أقلية في الغرب يمكن أن يعجزوا عن التعايش مع الـمجتمع الغربي في انسجام وتوافق . إنَّ الدول الغربية وقد قبلت الـمسلمين ضيوفاً عليها ممن قدموا إما لغرض الكسب من العمل أو للفرار من الظلم والاضطهاد الذي واجههم في بلادهم، هي في مقام المحسن إليهم وهم يقرؤون في القرآن : (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ويأتمرون بأمر نبيهم : (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى ترون أنكم كافأتموه ) ( [11] ) .

إن المسلم إذا كان ملتزماً بإسلامه فسيمتنع عن الظلم في القول والعمل، والخيانة والكذب، لأنه يعلم أن هذه كلها معاصٍ يعاقبه الله عليها .

أما عن الشطر الثاني من السؤال وهو السؤال عن موقفنا من الرؤية التي تستبعد كل قانون يعارض القوانين الإسلامية، فالجواب عليه :

إنه منذ إلغاء محاكم التفتيش عام 1834م وحتى صدور القانون الفرنسي بمنع تغطية الـمسلمة رأسها في الـمدارس وإمكانية منعها من ذلك في أماكن العمل، ما كان أحد يتصور أن أي جالية مسلمة في أي بلد أوروبي سوف تواجه مشكلة في التعامل مع قانون البلد المضيف للأسباب الآتية :

1 / إن الـمبدأ الإسلامي كما يعبر عنه الفقيه السلفي ابن القيم ـ في القرن الثامن الهجري ـ (حيث يوجد العدل والمصلحة فثم شرع الله)، يعني هذا التعبير أن القانون عندما يحقق العدل ويهدف للمصلحة العامة فيعتبر قانوناً إسلامياً، ولما كانت القوانين في الغالب (باستثناء قوانين الدول الشمولية أو الفاسدة ) تهدف إلى تحقيق العدل والمصلحة، فستكون الحالات التي يعتبر فيها المسلم القانون العلماني قانوناً معارضاً للشريعة الإسلامية حالات قليلة، أو هي نادرة نسبياً ، وهذا في حدّ ذاته يقلل من احتمال أن يجد المسلم نفسه في حرج إذا خضع لقانون صادر من دولة علمانية.

قبل خمسين سنة وضع فقيه فرنسي القانون المدني المغربيCode Civile واقتبسه من القوانين الأوروبية، وكان من السهل أن تؤيد كل مواده تقريباً اقتباسات من نصوص الكتب الفقهية في الـمذهب الـمالكي (الـمذهب الفقهي الإسلامي الشائع في الـمعـرب) . نشرت هذه النصوص مع الـ Code Civile .

2 / الـمسلم حتى لو كان يعارض العلمانية في بلده ذات الأغلبية المسلمة، فإنه في العادة يقبلها في البلاد التي يكون فيها فرداً من الأقلية، على سبيل الـمثـال يؤيد الـمسلمون في الـهند العلمانية ويناصرونها، السبب واضح : أنها تحمي حقوقهم وحرياتهم بما فيها الحرية الدينية أكثر مما تحمى في ظل حكومة أصولية تنتهك الـمبـادئ العلمانية؛ كما عانى الـمسلمون من الحكومة الـهندية السابقة ذات الاتجاه الـمتطرف في جانب الثقافة الزعفرانية والديانة الـهندوكية .

فالأقلية الـمسلمة من مصلحتها في هذه الحالة أن تكون تحت حكم علماني لا سيما إذا كان علمانياً بالـمعـنى الصحيح والمفهوم السائد في الولايات الـمتحدة وفي أوروبا الغربية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي .

3 / القانون المعارض للإسلام إما أن يبيح أموراً يحرمها الإسلام كبعض صور الربا أو الزنا أو القمار، أو أن يحرم أموراً يجيزها الإسلام كتعدد الزوجات .

وفي كلا الحالين لن تواجه المسلم مشكلة في التعايش مع القانون، لأن القوانين حين تبيح بعض الأفعال كبعض صور الربا والزنا فإنَّ هذا لا يمنع الـمسلم التقي من أن يترك هذه الأفعال اختياراً، لأن القانون وإن أباحها فهو لا يفرضها .

وحين يحرم القانون العلماني أمراً مباحاً في الشرع فهذا أيضاً لا يشكل حرجاً للمسلم، إذ يمكن أن يمتنع عن الفعل المحرَّم قانوناً، اختياراً بإرادته الحرة .

وللمرء أن يتساءل : ( في السنوات العشر الأخيرة مثلاً, هل سبق أن أدين مسلم أمام محكمة أوروبية بجريمة تعدد الزوجات ؟, إذا كان الجواب ــ كما هو محتمل ــ لا توجد حالة واحدة أو توجد حالات نادرة لا يبنى عليها حكم عام, فهذا شاهد من الواقع يصدّق ما قلنا ) .

وهكذا فإنَّ الـمسلم في حالتي التحريم والإباحة حين يخضع للقانون لا يشعر بما يؤذي ضميره الخلقي أو اعتقاده الديني .

وإذا لم يكن هناك سبب ديني ولا عملي لأن يواجه الـمسلم في الأقليات الـمسلمة في أوروبا مشكلة من جراء خضوعه للقانون في الدولة المضيفة، فهل يوجد سبب عاطفي يجعل من المحتمل أن يشعر الـمسلم بشعور سلبي تجاه قانون الدولة المضيفة ؟ والجواب أن هذا المسلم إذا كان على درجة من التعليم كافية فلن يكون لديه مثل هذا الشعور، وفي الأوقات والأماكن التي كان المسلمون فيها أغلبية حاكمة تعايشت معهم الأقليات غير المسلمة دون حرج، إذ تركوا لتلك الأقليات الحرية في وضع قوانيـنهم والتحاكم لقضاتهم، بل استثنوهم من الخضوع للقانون الجنائي الإسلامي العام بالنسبة للأفعال التي لا تجرمها أديـان الأقليات، كما أعفوهم من الواجبات المفروضة على المسلم ذات الصلة بالدين كدفع الزكاة ملتزمين بمضمون الآية الكريمة: (لكم دينكم ولي دين) (6 سورة الكافرون)، (لا إكراه في الدين) ( 256 سورة البقرة ) .

4 / لا شك أن قانون الدولة المضيفة لو حرم فعلاً يراه المسلم واجباً في الإسلام، أو أوجب على المسلم فعلاً يراه المسلم محرَّماً في الإسلام، فإن الوضع في هذه الحالة سيكون مختلفاً .

وبالتأكيد سيشعر المسلمون ــ في هذه الحالة ــ بأن حريتهم الدينية قد انتهكت .

يجب أن نعترف أنَّ هذه السابقة PRECEDENT الفرنسية أوجدت لدى الأقليات الـمسلمة في أوروبا شعوراً بأن حريتهم وأمنـهم قد لا يكون لـهما في الـمستقبـل الضمان الذي كان لـهما في الـمـاضي، أوجدت لدى بعض الـمسلمين الشعور بأنهم يواجهون أزمة .

لم ينظروا إلى السابقة الفرنسية كقضية معينة بذاتها، صدرت من دولة واحدة  كانوا يتساءلون ماذا لو سرت العدوى الفرنسية إلى باقي دول أوروبا ؟ بل ماذا لو تجاوز الأمر قضية الحجاب إلى قضايا أخرى من تحريم ما يعتقدونه التزاماً دينياً، أو إلى إلزامهم بما يعتقدونه محرماً دينياً .

لقد عززت هذه المخاوف الاتجاه الانقلابي بالنسبة لإجراءات العدالة في الولايات المتحدة، بإجراءات (الأدلة السرية) و(الجريمة بالارتباط Guilty by Association) في عهد الرئيس الأمريكي كلينتون، ثم صدور  قانون (الوطني) في عهد الرئيس بوش الابن، وإن الانطباع لدى المسلمين والليبراليين من غير المسلمين في الولايات المتحدة أنَّ هذه القوانين طبقت في الغالب أو ربما في ما عدا النادر على أفراد مسلمين أو مؤسسات إسلامية .

كما تعززت هذه المخاوف بعد أن أحسَّ الـمسلمون في أوروبا بأنَّ هذه الإجراءات الأمريكية والفرنسية كان لها صدى لدى الإعلام الأوروبي ولدى بعض السياسيين الأوروبيين .

 كان بعض الـمسلمين ينظرون إلى السابقة الفرنسية في ضوء ما كشفت عنه أطروحة للدكتوراة في العلوم السياسية تقدمت بها الدكتورة Katherine Bullock عن الحجاب والسياسة لجامعة تورنتو بكندا، وقد نشرت هذه الأطروحة عام 2003 م في كتاب يحمل عنوان Rethinking Muslim Women and the Veil، وربما يعتبر هذا الكتاب أدق وأعمق وأشمل بحث علمي في موضوع الحجاب نشر     حتى الآن .

بعض المسلمين رأوا أنَّ ربط السياسة بالدين على النحو الذي تم بالنسبة للحجاب في فرنسا يمثل تهديداً للسياسة والدين معاً، بل رأوا أنه نذير بانتكاسة في مسيرة التقدم الإنساني والمكاسب الإنسانية فيما يتصل بالقيم الكونية .

أما نحن فإننا من فريق الـمتفائلين الذين يرون أنه مهما حدث من إخفاقات في مسيرة القيم الحضارية فإنَّ الإيمان بكرامة الإنسان يوجب أن نستشعر أنَّ التقدم الإنساني سيظل على وتيرته، ولن ترجع الإنسانية إلى الوراء وبين عينيها هذه الحصيلة التاريخية الضخمة من تجارب الإنسان .

خلاصة الجواب :

إننا نرى أنَّ المسلمين في الغرب ــ في الماضي ــ لم يشعروا بأي حرج أو حساسية ضد القوانين المحلية. ولا نرى مبرراً للخوف من أن يتغير هذا الشعور في الـمستقبـل ونرى أن أي تخوف من جانب الـمسلمين أو من الجانب الآخر مستند إلى التعارض بين القانون وأحكام الإسلام هو تخوف من قبيل (الفوبيا) لا يستند لأي مبرر موضوعي ولا يصمد أمام الـمحاكمة العقلانية .

 السؤال الثـالث:

ما هو مفهومكم للتشدد والتطرف، وهل تواجهون أفراداً متشددين في مؤسستكم، وكيف تتعاملون معهم ؟؟

الجواب :

نقول إن ما ورد في الـمقدمة عن وسطية الإسلام واعتداله، ورفضه للغلو والتطرف، وكذلك ما سبق أن ذكرناه في الإجابة عن الأصولية يكفي في رأينا لإيضاح مفهومنا عن التشدد والتطرف. ولزيادة الإيضاح نقول إننا لا نرى أنَّ سعي المسلم لتحقيق التقوى وهي درجة عالية من الحساسية الخلقية وأن من مضامينها شعور الإنسان بوجود الله معه وأنه يعلم سره وعلانيته وأنه سوف يحاسبه على عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، لا نرى هذا تشدداً أو تطرفاً، كما لا نرى تشدداً أن يلتزم الـمسـلم بواجبات دينه كالصلاة والصوم والزكاة ولا بالآداب الاجتماعية التي أمره بها دينه، كالعفة للرجل والمرأة و تغطية الرأس للمرأة .

 ولا نرى تشدداً أن يسعى الـمسـلم لتعليم إخوانه الـمسلمين أمور دينهم، ويوضح لـهم حقائقه، ويميز لـهم بين ما هو من حقيقة الدين، وما هو طارئ عليه من العادات والتقاليد .

وبالعكس نرى التشدد والتطرف، في أن يدعي الإنسان أنه يملك وحده الحقيقة النهائية، وأسوأ من ذلك أن يحاول فرض ما يراه         على غيره .

نرى من التشدد والتطرف دعوى الإنسان أن التطور الإيجابي للعالم لا يسير إلاّ وفق تجارب ثقافة واحدة معينة .

نرى أن التعددية الثقافية مصدر خصب وثراء للبشرية، ونرى أن حماية مكتسبات الإنسان من القيم الكونية مسؤولية كل فرد، وإن هذه القيم ضمان ليس فقط لبقاء البشرية، بل لتقدمها وازدهارها .

وعن الشطر الثاني من السؤال : كيف تواجهون أفراداً متشددين في مؤسستكم وكيف تتعاملون معهم ؟

كما قدمنا، التشدد موجود دائماً في كل زمان ومكان، بل إنه مع الأسف قريب من طبيعة الإنسان، لا سيما إذا لم تروض بتربية الوسطية والاعتدال، والتطرف ينبعث في كثير من الأحيان عن عجز الإنسان عن النظر إلى الحقيقة من مختلف الزوايا، فالشمولية والتوازن في النظر إلى الآراء أو الأشخاص أو الأشياء لا ينموان إلا في ظل تربية متوازنة .

ونرى أن الـمنــهج الذي أعطاه القرآن مساحة واسعة منه ربما تزيد على ثلاثــمائة آية، مسانداً بالأحاديث الصحيحة، وخلاصته أن الـمنـهج الصحيح في الحكم على القضايا أو الأشخاص يجب أن يتوفر له شرطان :

أ‌-. العلم وذلك بسعي الإنسان الجاد للوصول إلى الحقيقة بالوسائل الصحيحة وليس منها الظن أو الإشاعة أو مجرد شيوع الفكرة عند الناس، أو الانطباع الشخصي، أو التسليم المطلق للشعارات .

ب‌- .   الـموضوعية وعدم التحيز، ويعبر عنه القرآن بالعدل .

نرى أن هذا المنهج والعناية به وإشاعته بين الناس وتربية النشء عليه كفيل بالوقاية والعلاج لكثير من حالات التشدد، ونرى أنه ربما لا يخلق التشدد والتطرف شيئاً مثل التشدد والتطرف المضاد. إنَّ هذه المعادلة تكوِّن الحلقة الخبيثة التي يجب على المصلحين كفاحها ومقاومتها.

إنَّ مساجدنا وملتقياتنا مفتوحة للجميع، فلا نضمن أن لا يكون بين من يحضرون متشدد أو متطرف، ولكننا نعرف أن من طبيعة المتشدد أو المتطرف أنه لا يجد راحته العقلية والعاطفية إلا في بيئة تستجيب لأفكاره..

ولـمـا كانت البيئة التي نحاول إيجادها في مواقع عملنا هي بيئة الاعتدال والوسطية والدعوة إلى التوازن، فإننا لا نظن أنها ستكون بيئة مشجعة على الحضور لمن يحمل أفكاراً متطرفة، ولو حضر عرضاً فلن يتشجَّع على تكرار الحضور إلا إذا كان لديه استعداد لتغيير أفكاره .

إننا نحرص بقدر الإمكان على أن يتصف من نتيح له الفرصة للقيام بمهمة التربية والتعليم في مواقعنا أن يكون من المعروفين بالاعتدال في الفكر، والتوازن في الطرح .

على أنه لا يغيب عن فكرنا أنه كما ذكرنا سابقاً مثل هذه القضايا لا يمكن أن تبرأ كلية من النسبية وشخصية النظر والحكم .

إننا على يقين من أن وظيفة الشيطان الأساسية هي إيقاع العداوة والبغضاء ، قال الله تعالى ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ) ( 91 سورة المائدة ) .

ونعرف أن واجبنا أن نكافح الشيطان بما أمرت به الآية الكريمة : ( وقل لعبادي يقول التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً ) ( 53 سورة الإسراء )، ( وقولوا للناس حسناً ) (83 سورة البقرة ) .

وتعني الآية بالقول الحسن المعاملة بالطريقة الأحسن قولاً وفعلاً، ونعتقد أنه كما أن التطرف يخلق التطرف، فكذلك التسامح يخلق التسامح ، ففي القرآن : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ( 34 سورة فصلت ) .

نرى أن الجدل العقيم والشقاق والخصام ثمرته مرة، ولذا نحرص على أن لا نشغل عن النشاط الإيجابي بنشاط سلبي، وقد كسبنا من هذه السياسة ولم نخسر، فخلال عملنا كله لم نحتج ولم نرغب في الدخول في خصام مع فرد أو مؤسسة مهما كان اختلافنا معه أو معها في الفكر أو الاتجاه .

ولهذا كسبنا ــ كما نعتقد ــ صداقة الآخرين، أو على الأقل لم نتعرض لعداوة أحد .


 

 


( 1 )  الإسلام على مفترق طرق ص ( 11 ـ 12 ) .

 ( 1 )  الطريق إلى مكة ص ( 100 ـ 101 ) .

 ( 1 )  الطريق إلى مكة ص ( 127  ـ 129 ) .

 ( 2 ) المرجع السابق .

 ( 3 ) المرجع السابق .

( 1 )  المرجع السابق .

 ( 1 )  المرجع السابق ص ( 380 ــ 386 ) .

 ( 1 )  المرجع السابق ص ( 253 ) .

 ( 1 )  المرجع السابق ص ( 375 ــ 376 ) .

 ( 1 ) رواه أحمد وصححه الألباني .

 ( 1 ) رواه أحمد وصححه الألباني .

 

الأقليات المسلمة في مواجهة فوبيا الاسلام