دليل لمنهج الخطابة في المسجدين الشريفين

 

 

  الخطبـة في المسجدين الشريفين ليست خطاباً موجهاً فقط للمصلين في المسجدين أو للمسلمين في كافة أرجاء الأرض، بل هي خطاب يوجه للناس كافة، وهذه الخصيصة لا يشاركها فيها غيرها من الخطب في أي مسجد آخر.

وعلى هذه الخصيصة ينبني دليل منهج الخطابة في المسجدين الشريفين كما يلي:

  1 – تتسم الخطبة في المسجدين الشريفين باعتماد الخطباء أسلوباً متميزاً، يتمثل في حرص الخطيب على أن يتبع الجملة التي تقرر معنى معيناً بنص من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف الصحيح يعبر عن المعنى ذاته أو يدل عليه.

ونتيجة هذا الأسلوب:

          ( أ ) ضمان صحة الرأي والتقرير بموجب اقترانه بدليله .

          ( ب ) فعالية التأثير بتسليم المتلقى وقبوله وإضعاف كل دافع لديه للمعارضة .

          ( ج ) رجاء البركة والأجر .

وقد أبان خطبـاء المسجدين الشريفين – بدون استثناء- ولله الحمد عن قـدرة فـائقة في أداء هـذا الأسلوب .

والمتوقع أن تظل هذه الميزة دائماً صفة مميزة للخطب في المسجدين الشريفين .

 

2 – يكرر علماؤنا الإيضاح عن منهج الحكم على الأشياء والآراء والأشخاص ويشمل منهج القول والشهادة بأنه يبنى على وجوب توفر عنصرين أساسيين: العلم ، والعدل بمعنى أن يبذل الإنسان ما في وسعه كإنسان للوصول إلى الحقيقة ثم يحكم بموجبها بموضوعية وعدم تحيز وعدم ميل مع العاطفة ولو كانت عاطفة نبيلة خيرة   .

وذكر بعضهم أن المساحة التي أعطاها القرآن لتقرير هذا الأمر وتأكيده مساحة واسعة قد تربو على ثلاثمائة آية ، نوع فيها العظة وفصلها أمراً ونهياً وقصصاً وضرب أمثال  مما يدل على مدى أهمية هذا المنهج وعلى موقعه كأساس وتتميز الخطبة في المسجدين الشريفين بالتزام هذا المنهج التزاماً تاماً .

 

3 – نتيجة للميزتين السابقتين، فإن الخطبة في المسجدين الشريفين تتميز عن المعتاد في الخطب، إذ المعروف أن الخطبة هدفها عادةً التأثير الآني في المتلقى فتعتمد التعبيرات العاطفية، وإثارة المشاعر، والبناء على الأدلة الخطابية دون اهتمام بمدى مطابقتها للأدلة المنطقية وللمحاكمه العقلية.

أما الخطبة في المسجدين الشريفين فهدفها التأثير الدائم ولذا تتسم بمخاطبة العقل  واعتماد الحجج المنطقية، وإذا احتاجت إلى مخاطبة العاطفة وإيقاظ الشعور فإنما يكون ذلك مؤسساً على العلم وموافقة الواقع، وتصور الحقيقة.

 

4 – وإذ كانت الخطبة في المسجدين الشريفين تعتمد على مصادر صحيحة وثابتة  فإنها تتفادى اتباع الظن، أو الاستناد إلى الإشاعات، أو الانخداع بوسائل الإعلام، وما تنشره من أخبار أو تعليقات مبنية في الغالب على الظن والكذب والهوى والتحيز ملحوظاً أن الإعلام في الغالب يمثل وجهة نظر واحدة ، وهي وجهة نظر الغالب أو القوي أو ذي السلطة .

ولذا فإن الخطبة في المسجد الشريفين تتعامل مع الأحداث السياسية بحذر بالغ .

 

5 – تكشف الخطبة في المسجدين الشريفين عن الانحراف وتعريه وتحذر منه، وهي في ذلك تستهدف الهداية لا الإغاظة و التبيين للناس لا التنفيس عن المشاعر الذاتية ، وهي تتعامل مع هذه القضية بما أرشد الله إليه من الحكمة وتحري الأسلوب الأحرى بالإقناع  والموازنة بين المصالح والمفاسد، اعتماداً على ما قرره علماء السلف من أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة لا غاية، واهتداء بالآية الكريمة ] ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم [ الآية، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم ) ما بال أقوام … …. ….. الحديث ( .

 

6 – تتجاوز الخطبة في المسجدين الشريفين النطاق المحلي إلى الخطاب العالمي تحسساً بمسئوليتها تجاه الهم العام للإسلام والمسلمين متحرية إبلاغ هدى الله إلى الناس، وإيصال نور الوحيين إليهم، وبناء تصوراتهم وسلوكهم على هذا الهدى والنور.