العلاقات الدولية بين منهج الإسـلام ومنــهج الحضـــارة المعـاصرة

يوليو 23, 2012
الكاتب

 

 

 

تمهيــد

شهد القرن المنصرم خلال خمس وعشرين سنة حربين عالميتين، أبيد فيهما عشرات الملايين، لم يكن القتلى من المحاربين فقط، بل من الأطفال والنساء والرجال غير المحاربين.

وتميزت الحرب الثانية من الحربين بأفظع عمليات التدمير التي لم تكن ضرورة الحرب تقتضيها، بل كانت استجابة لحقد الإنسان ورغبته في الانتقام، فحتى بعد أن تقرر مصير الحرب جرى قصف شامل دون تمييز لمدن مثل: درسدن الألمانية، وهيروشيما اليابانية .

لقد كان استخدام القنبلة النووية فـي تدمير هيروشيما ونجــاسـاكي إيذاناً بحلول عصر جديد من الرعب يواجه البشرية .

وحين رأى العالم رأي العين أكثر من مئة ألف من غير المحاربين يقضى عليهم بضربة واحدة أدرك مدى الخطر الذي يهدد الإنسان .

ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى كاد الناس يجمعون على أن البشرية أشرفت على عصر جديد من عصور الحضارة، عصر أزمة مفزعة شاملة قربت بين شعوب العــالم لكن بشعور الخوف الذي يستولي على القلوب .

لقد رأى كثير من مفكري الغرب أن الحرب وما ترتب عليها إنما هي ظاهرة من ظواهر انعدام الروح الحضاري، وانعدام هذه الروح راجع إلى عدم التوازن بين التقدم المادي والتقدم الروحي .  

في هذا المعنى كتب الفيلسوف اللاديني برتراند رسل: « لم يعد للمذاهب العقدية ولا القواعد التقليدية للأخلاق والسلوك سلطانهما الذي كان لهمـــا من قبل، كثيراً ما يستولي الشك على قلوب النـاس فيمـا هو خير وما هـو شر، وعندما يحاولون أن يصلوا إلى رأي فـي ذلك يواجهون عقبة لا يستطيعون اقتحـــامها ، إذ ليس هناك أمامهم هدف بيّـن يسعــون إليه، أو مبدأ واضح يهتدون به([1])، هنا فقط مجموعتان من العقائد أمام الرجل الغربي عندما يكون منهوك القوى الروحية: نظام روما ، ونظام موسكو. وكلاهما لا يخلقان مجــالاً للرجل الحــر »([2]).

وصف تشرشل القرن الماضي بالقرن الفظيع، ولا يلوح فـي الأفق ما يبشر بأن القرن الحالي سوف يكون أقل فظاعة.

استهل هذا القرن والبشرية تمر بأخطر أزمة عرفها التاريخ، أزمة خلقها مزيج مشــؤوم من قــوة الدمــار وإرادة الإنســان الطليقة من أي قيـد أخلاقـي أو قانوني .

إن دولة واحدة تستعد بثمانية آلاف رأس نووي جاهزة للإطلاق تبلغ قوتها التدميرية مجتمعة مئة وستين ألف ضعف قوة التدمير لقنبلة نجاساكي.

ويعظم الخطر أن نقرأ تقريراً لأحد وزراء الحرب في تلك الدولة يلخص سياسة بلاده: « إن سياستنـــــــا النووية غيــــر أخلاقية وغيــــــر قانونية وغيــر ضرورية من النــاحية العسكرية، وخطــرة على البشرية بصــورة مرعبة ».

ويقر هذا الوزير أن قــرار إطلاق القوة النووية المدمرة بيد رجل واحد، يمكن أن يتخذه خلال خمس عشرة دقيقة([3]).

شهد القرن المنصرم حربين عالميتين خلال خمسة وعشرين عاماً، واستهل القرن الحالي بحربين عالميتين خلال خمسة عشــر شهـــراً.

لم يكن الزمن هو الفارق الوحيد بين حربي القرن المنصرم وحربي القـرن الحــالي.

كانت حربـــا القرن المنصرم بين قوى متكافئة يمثل كل من طرفيها تهديداً للطرف الآخر، في الحرب العالمية الأولى قوى التحالف الدولي من جانب، والقوى الأوروبية المركزية (The Central European Powers) من جانب آخر، وفـي الحرب العــالمية الثانية قوى التحالف الدولي (United Nations Powers) من جـــانب، وقوى الـمحــور (Axis Powers) من جانب آخر.

أما فـي حرب القرن الحالي فلم يكن هناك تكافؤ بين قوى التحالف الدولي وأفغانستان، أو قوى التحالف الدولي والعراق، وما كان لأي من الدول المشاركة فـي التحالف الدولي في الحالين أن تفكر أن أفغانستان أو العراق يمثلان تهديداً لـهـــا. هل يمكن أن تهدد أفغانستــان النرويج أو العراق أو أوستراليـــا ؟

لكن صفة مشتركة برزت بين الحروب الأربعة، قيام التحالف الدولي بعمليات عسكرية لا تقتضيها الضرورة الحربية، وإنما اقتضاها التنفيس عن الحقد والاستجابة لداعي الكراهية والعدوانية والرغبة في الانتقام.

السلوك اللاإنساني في الحرب علامة دالة على مدى تخلق الإنسان الغربي المعاصر بالروح الحضاري ومدى قدرته على الخلاص من وحشية العصور التي يسميها عصور الظلام.

كلا، لا يتصور أن إنسان عصور الظلام كانت ستخطر في باله مثل هذه الفكرة الشريرة: تصنيع وتخزين جراثيم وباء ( الجمرة الخبيثة ) تمهيداً لاستعمالـهــا كأحد أسلحة الدمار الشامل، وأن يبذل لهذه الغاية الوقت والجهــد وأفكـــار العلمــــــاء وأموال دافعي الضرائـــب، ويسخِّــر التكنولوجيــا التي تصل بهذا المنتج الشرير إلى معدل ترليون جرثومة في الجرام الواحد من الجراثيم التي سوف تنشر الوبــاء.

فـي القرن المنصرم أسهمت الثنائية القطبية للعالم عن طريق توازن الرعب بين العملاقين في تفادي الحرب.

وتميز هذا القرن بانتشار وتطور أسلحة الدمار الشامل وسيادة النظام الرأسمالي، هذا النظام الذي هو بطبيعته يتغذى بالحرب ويخلق الطبقية، وكلا الأمرين لا يسمح بأن يكون على الأرض السلام، وتعني هذه الحقائق أن الخطر المروع المحــدق يتعـاظــم، ويجسِّد هذا الخطر المنهج المعــاصر السـائد الحاكــم للعلاقات الدولية.

ومن هنا تظهر أهمية البحث عن منهج للعلاقات الدولية يختلف عن المنهج السائد الفاعل في الحياة المعاصرة، وهذا هو ما دعا إلى كتابة هذا المقال الذي سوف يهتم بالمقارنة بين المنهج المعاصر في العلاقات الدولية والمنهج الذي جاء به الإسلام قبل أربعة عشر قرنـــاً.

لقد صمــم هذا المقال على أساس غيــاب شخصية محـرره، وعلى أن يكون عبارة عن ألبوم من الصور الواقعية للأحداث والأفكــار، ولم يتدخل المحرر إلا عند الضرورة وبغرض ربــط الصــور بعضهــا ببعض.

وقد اعتمد في إيضاح منهج الحضــارة المعاصرة على كتاب بروفسور جوزيف فرانكل المعنون بــ ( العلاقات الدولية ) ترجمة الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي الطبعة الثانية، وكل النصوص الموضوعة بين حاصرتين المتبوعة بأرقام الصفحات غيــر المنسوبة لمؤلف آخر هي نصوص مقتبسة من الكتاب المذكور، وفـي إيضاح منهج الإسلام اعتمد على نصوص القرآن الكريــم والأحــاديث الصحيحة وفق حكـم علمــاء الحديث.

وقد كتب أصل هذا الـمقـــال فـي أثنــــــاء وعقب الحرب الأفغانية الأخيـرة (2001م) فكان من الطبيعي أن تكون بعض أحداثهــا جــزءاً من الأمثلة التوضيحية للنصوص التي تضمنها المقــال .

ويشتمل المقال على:

فصل أول عن المنهج المعاصر في العلاقات الدولية.وفصل ثان عن منهج الإسلام، وفصل ثالث عن منهج إصلاحي مقترح من قبل بعض كبار المفكرين الغربيين وفي النهاية خاتمة المقال فيما يمكن أو يجب عمله .

وبالله التوفيــق..

  المــؤلــف     




 ([1]) B. Russell, New Hope For a Changing world, p. 8.

 ([2]) Ibid. p. 8.

([3]) روبرت ماكنمارا، واقتربت الساعة، مجلة فورن يوليسي مايو – يونيو 2005م. Robert Mcnamara, “Apocalypse Soon” Magazine may – June 2005.

.http://www.foreignpolicy.com/story/cms.php?story-id=2829

 

 

العلاقات الدولية – بين منهج الاسلام ومنهج الحضارات المعاصرة

الأوسمة: , , ,